تخطى إلى المحتوى

79- اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت

toc كتاب حصن المسلم من أذكار الكتاب والسنة 241

اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعتُ، أعوذ بك من شر ما صنعتُ، أبوء[1]أي: أُقِرُّ وأعترف. يُنظَر: "سبل السلام" للصنعاني: 8/ 313. لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت[2]من قالها مُوقنًا بها حين يُمسي فمات من ليلته دخل الجنة، وكذلك إذا أصبح. رواه البخاري: 6306 و6323..

^1 أي: أُقِرُّ وأعترف. يُنظَر: "سبل السلام" للصنعاني: 8/ 313.
^2 من قالها مُوقنًا بها حين يُمسي فمات من ليلته دخل الجنة، وكذلك إذا أصبح. رواه البخاري: 6306 و6323.

شرح مفردات الحديث:

  1. قوله: اللَّهم أنت ربي: الرب هو المالك المتصرف، ويطلق في اللغة على السيد والمربي والقيم، وكل ذلك صحيح في حق اللَّه، والرب من أسماء اللَّه تعالى إذا أطلق، ويستعمل في حق غير اللَّه بالإضافة، فيقال: رب الدار، رب الأسرة، وهكذا، قال ابن الأثير رحمه الله: «والرب: المالك، والسيد، والصاحب، والمدبر، والخالق، وغير ذلك، إلا أنه لا يرد مطلقًا إلا على اللَّه غالبًا، فأما غير اللَّه فيقال فيه: رب كذا»[1]الشافي في شرح مسند الشافعي، 1/ 532، وتقدم في شرح المفردة رقم 13 من مفردات حديث المتن رقم 29..
  2. قوله: لا إله إلا أنت: أي: لا معبود بحقٍّ غيرك، ولا معروف بهذه المعرفة سواك[2]المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 7/ 33.، قال الطيبي رحمه الله: «إثبات للإلهية المطلقة للَّه تعالى على سبيل الحصر، بعد إثبات الملك له»[3]شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 3/ 990، وتقدم في شرح المفردة رقم 12 من مفردات حديث المتن رقم 29..
  3. قوله: خلقتني وأنا عبدك: المعنى أنك خلقتني وحدك، فيجب صرف جميع العبادة لك وحدك: هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ [فاطر:3].
  4. قوله: وأنا على عهدك أي: على عهد التوحيد وميثاق الطاعة، وهو إشارة إلى قول اللَّه : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف:172].
  5. قوله: ووعدك أي: بتفضلك عليَّ، وإدخالي الجنة حال كوني موحدًا لك، وهذا من غير إيجاب شيء عليك، بل محض جود وتمام منة،
    قال ابن بطال رحمه الله: «والوعد: هو ما وعدهم تعالى أنه من مات لا يشرك منهم باللَّه شيئًا وأدّى ما افترض اللَّه عليه أن يدخل الجنة، فينبغي لكل مؤمن أن يدعو اللَّه تعالى أن يميته على ذلك العهد، وأن يتوفاه اللَّه على الإيمان؛ لينال ما وعد تعالى مَن وفى بذلك؛ اقتداءً بالنبي في دعائه بذلك»[4]شرح صحيح البخاري، لابن بطال، 10/ 76..
    وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «الوعد: ما قالَ عَلَى لِسان نَبِيّه إنَّ مَن ماتَ لا يُشرِك بِاللَّهِ شَيئًا، وأَدَّى ما افتَرَضَ عَلَيهِ أَن يُدخِلهُ الجَنَّة[5]البخاري، برقم 6443، ومسلم، برقم 93، وجملة الزيادة التي أشار إليها الحافظ ليست في الحديث.. قُلت [القائل هو الحافظ ابن حجر]: وقَوله: وأَدَّى ما افتَرَضَ عَلَيهِ زِيادَة لَيسَت بِشَرطٍ فِي هَذا المَقام؛ لأَنَّهُ جَعَلَ المُراد بِالعَهدِ المِيثاق المَأخُوذ فِي عالَم الذَّرّ، وهُو التَّوحِيد خاصَّة، فالوعد هُو إِدخال مَن ماتَ عَلَى ذَلِكَ الجَنَّة»[6]فتح الباري، 11/ 99..
    وقال الشيخ البنا رحمه الله: «ووعدك: أي مصدقٌ ومؤمنٌ بوعدك الذي لا يخلف، الذي وعدت به أهل الإيمان، وراجٍ رحمتك بمقتضاه»[7]الفتح الرباني، 1/ 480..
    وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: «وعلى وعدك: أي تطبيق وعدك ما وعدت أهل الخير من الخير، وما وعدت أهل الشر من الشر، ولكن أنا على وعدك، أي: في الخير؛ لأنك في هذه الكلمات تتوسل إلى اللَّه »[8]شرح رياض الصالحين، شرح الحديث رقم 1877..
  6. قوله: ما استطعت أي: أجاهد نفسي على الطاعة ما استطعت إلى ذلك سبيلًا، فأنت يا ربنا ما كلفت نفسًا إلا وسعها، وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «وفِي قَولِه: ما استَطَعت: إِعلام لأُمَّتِهِ أَنَّ أَحَدًا لا يَقدِر عَلَى الإِتيان بِجَمِيعِ ما يَجِب عَلَيهِ لِلَّهِ، ولا الوفاء بِكَمالِ الطّاعات والشُّكر عَلَى النِّعَم، فَرَفَقَ اللَّه بِعِبادِهِ، فَلَم يُكَلِّفهُم مِن ذَلِكَ إِلَّا وُسعهم، واشتِراط الاستِطاعَة فِي ذَلِكَ مَعناهُ: الاعتِراف بِالعَجزِ، والقُصُور عَن كُنه الواجِب مِن حَقّه تَعالَى»[9]فتح الباري، 11/ 99..
  7. قوله: أعوذ بك من شر ما صنعت أي: أعتصم بك من شر ما اقترفت جوارحي من الذنوب التي عاقبتها خسر إن لم تغفرها لي، قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: «أعوذ بك من شر ما صنعت: يعني: أنت تعوذ باللَّه من شر ما صنعتَ؛ لأن الإنسان يصنع خيرًا فيثاب، ويصنع شرًّا فيعاقب، ويصنع الشر فيكون سببًا لضلاله، كما قال اللَّه تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ [المائدة:49]، فأنت تتعوذ بالله من شر ما صنعت، ثم أبوء لك بنعمتك علي يعني: أعترف بنعمتك العظيمة الكبيرة التي لا أحصيها»[10]شرح رياض الصالحين، شرح الحديث رقم 1877..
  8. قوله: أبوء لك بنعمتك علي أي: أعترف بنعمك التي لا تعد ولا تحصى، قال الحافظ[11]انظر: فتح الباري، 11/ 100.: وأصل البواء اللزوم، ومنه بوّأه اللَّه منزلًا، إذا أسكنه فيه، فكأنه ألزمه به.
    قال الخطابي رحمه الله: «قوله: أبوء بنعمتك: معناه: الاعتراف بالنعمة، والإقرار بها، وأبوء بذنبي معناه: الإقرار بها أيضًا كالأول، ولكن فيه معنى ليس في الأول، تقول العرب: باء فلان بذنبه إذا احتمله كرهًا، لا يستطيع دفعه عن نفسه»[12]معالم السنن، للخطابي، 4/ 145..
  9. قوله: وأبوء بذنبي: أي: أقر بالذنب نادمًا على ذلك، عازمًا على عدم العودة إليه، مقلعًا عنه بتوفيقك لي، وهذا القول يشمل فعل المحظورات، أو التقصير في الواجبات، وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وأَبُوء لَك بِذَنبِي: «أَي: أَعتَرِف أَيضًا، وقِيلَ: مَعناهُ: أَحمِلهُ بِرَغمِي، لا أَستَطِيع صَرفه عَنِّي، وقالَ الطِّيبِيُّ: اعتَرَفَ أَوَّلًا بِأَنَّهُ أَنعَمَ عَلَيهِ، ولَم يُقَيِّدهُ؛ لأَنَّهُ يَشمَل أَنواع الإِنعام، ثُمَّ اعتَرَفَ بِالتَّقصِيرِ، وأَنَّهُ لَم يَقُم بِأَداءِ شُكرها، ثُمَّ بالَغَ فَعَدَّهُ ذَنبًا مُبالَغَة فِي التَّقصِير وهَضم النَّفس»[13]فتح الباري، لابن حجر، 11/ 100..
  10. قوله: فاغفر لي: قال ابن الملقن رحمه الله: «الْمَغْفِرَة: تَغْطِيَة الذَّنب»[14]التوضيح لشرح الجامع الصحيح، 9/ 22..
    وقال ابن منظور: «الغَفُورُ الغَفّارُ، جَلَّ ثَنَاؤُهُ... وَمَعْنَاهُمَا: السَّاتِرُ لِذُنُوبِ عِبَادِهِ، الْمُتَجَاوِزُ عَنْ خَطَايَاهُمْ وَذُنُوبِهِمْ... وَمِنْهُ: غَفَرَ اللَّهُ ذُنُوبَهُ أَي سَتَرَهَا»[15]لسان العرب، 5/ 25، مادة (غفر)، وتقدم في شرح المفردة رقم 12 من مفردات حديث المتن رقم 2..
    وقال ابن الجوزي رحمه الله: «الغفران: تغطية الذنب بالعفو عنه»[16]كشف المشكل من حديث الصحيحين، ص2..
    وقال الإمام النووي رحمه الله: «ومعنى سؤاله المغفرة، مع أنه مغفور له، أنه يسأل ذلك تواضعًا وخضوعًا وإشفاقًا وإجلالًا؛ وليقتدى به في أصل الدعاء والخضوع وحسن التضرع في هذا الدعاء المعين»[17]شرح النووي على صحيح مسلم، 6/ 56..
  11. قوله: فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت: أي لا يملك ذلك غيرك: وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران:135].

ما يستفاد من الحديث:

  1. إظهار ما كان عليه النبي من الخضوع والانكسار والتذلل للَّه .
  2. إثبات الربوبية في قوله: أنت ربي، ثم الألوهية من قوله: لا إله إلا أنت.
  3. الإقرار بالعهد الذي أخذه اللَّه على بني آدم لما كانوا أمثال الذر في ظهر آدم ، قال اللَّه تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا... الآية [الأعراف:172].
  4. «وفيه: دليل أن الواجب على العبد أن يكون على حذر من ربّه في كل أحواله، وإن كان من أهل الاجتهاد في عبادته في أقصى غاياته، إذ كان الصدِّيق مع موضعه من الدين لم يسلم مما يحتاج إلى استغفار ربه منه»[18]شرح صحيح البخاري، لابن بطال، 10/ 93..
  5. الاستعاذة من سيئات الأعمال، وإضافة النعماء إلى واهبها وموجدها، ويدخل في ذلك شكر المنعم، والتبرؤ من كفران النعم.
  6. الأجر العظيم لمن قال هذا الدعاء موقنًا به، وهذا على سبيل العموم، ولا يجوز لنا أن نجزم لشخص قاله بأنه من أهل الجنة.
  7. سمى النبي هذا الدعاء: بـسيد الاستغفار؛ حيث قال لشداد بن أوس راوي الحديث: ألا أدلك على سيد الاستغفار[19]الترمذي، كتاب الدعوات، باب منه، برقم 3393، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم 1747.، وذلك لأنه فاق جميع صيغ الاستغفار في الفضيلة، وجمع بين معاني الربوبية والألوهية والعبودية، والاعتراف بالتقصير، وطلب المغفرة، وغير ذلك.

^1 الشافي في شرح مسند الشافعي، 1/ 532، وتقدم في شرح المفردة رقم 13 من مفردات حديث المتن رقم 29.
^2 المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 7/ 33.
^3 شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 3/ 990، وتقدم في شرح المفردة رقم 12 من مفردات حديث المتن رقم 29.
^4 شرح صحيح البخاري، لابن بطال، 10/ 76.
^5 البخاري، برقم 6443، ومسلم، برقم 93، وجملة الزيادة التي أشار إليها الحافظ ليست في الحديث.
^6, ^9 فتح الباري، 11/ 99.
^7 الفتح الرباني، 1/ 480.
^8, ^10 شرح رياض الصالحين، شرح الحديث رقم 1877.
^11 انظر: فتح الباري، 11/ 100.
^12 معالم السنن، للخطابي، 4/ 145.
^13 فتح الباري، لابن حجر، 11/ 100.
^14 التوضيح لشرح الجامع الصحيح، 9/ 22.
^15 لسان العرب، 5/ 25، مادة (غفر)، وتقدم في شرح المفردة رقم 12 من مفردات حديث المتن رقم 2.
^16 كشف المشكل من حديث الصحيحين، ص2.
^17 شرح النووي على صحيح مسلم، 6/ 56.
^18 شرح صحيح البخاري، لابن بطال، 10/ 93.
^19 الترمذي، كتاب الدعوات، باب منه، برقم 3393، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم 1747.