تخطى إلى المحتوى

225- ثلاثٌ من جَمَعَهُنَّ فقد جَمَعَ الإيمان

toc كتاب حصن المسلم من أذكار الكتاب والسنة 262

"ثلاثٌ من جَمَعَهُنَّ فقد جَمَعَ الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذلُ السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار"[1]رواه البخاري: 1/ 15 مُعَلَّقًا، موقوفًا على عمَّارٍ ..

^1 رواه البخاري: 1/ 15 مُعَلَّقًا، موقوفًا على عمَّارٍ .

شرح مفردات الحديث:

  1. قوله: «ثلاث»: قال ابن منظور رحمه الله: «الثَّلاثة: مِن الْعَدَدِ فِي عَدَدِ الْمُذَكَّرِ، مَعْرُوفٌ، والمؤَنث ثَلَاثٌ»[1]لسان العرب، 2/ 121، مادة (ثلث).، أي: ثلاث خصال من خصال الإيمان.
  2. قوله: «من جمعهن»: أي: تحققن فيه. قال ابن منظور رحمه الله: «جَمَعَ الشيءَ عَنْ تَفْرِقة يَجْمَعُه جَمْعًا... جمَعْتُ الشَّيْءَ: إِذا جِئْتَ بِهِ من هاهنا وهاهنا»[2]لسان العرب، 8/ 53، مادة (جمع)..
  3. قَوله: «فقد جمع الْإِيمَان»: قال العيني رحمه الله: «فقد جمع الإيمان: خَبره، وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ الأول. وَالْفَاء فِي: «فقد» لتضمن الْمُبْتَدَأ معنى الشَّرْط. و«الْإِيمَان» مَنْصُوب بِجمع، وَمَعْنَاهُ: فقد حَاز كَمَال الْإِيمَان، تدل عَلَيْهِ رِوَايَة شُعْبَة: فقد اسْتكْمل الْإِيمَان»[3]عمدة القاري شرح صحيح البخاري، 1/ 198..
  4. قوله: «الإنصاف من نفسك»: أي: أداء الحقوق كاملة للخلق، ومن باب أولى للخالق.
    قال ابن منظور رحمه الله: «والإِنْصَاف: إِعْطَاءُ الْحَقِّ، وَقَدِ انْتَصَفَ مِنْهُ وأَنْصَفَ الرجلُ صَاحِبَهُ إِنْصَافًا... أَنْصَفَ: إِذَا أَخذ الْحَقّ وأَعطى الْحَقَّ، والنَّصَفَة: اسْمُ الإِنْصَاف، وَتَفْسِيرُهُ: أَن تُعْطِيَهُ مِنْ نَفْسِكَ النَّصَف، أي: تُعْطيه مِنَ الْحَقِّ كَالَّذِي تَسْتَحِقُّ لِنَفْسِكَ»[4]لسان العرب، 9/ 332، مادة (نصف)..
    وقال المناوي رحمه الله: «والإنصاف، أي: العدل، يقال: أنصف من نفسه، وانتصفت أنا منه، «من نفسك»؛ بأداء حق اللَّه وحق الخلق، ومعاملتهم بما يحب أن يعاملوه به، والحكم لهم وعليهم بما يحكم به لنفسه، وشمل إنصافه نفسه من نفسه، فلا يدعي ما ليس لها من كبر أو عظم وغير ذلك»[5]فيض القدير، 3/ 390..
  5. قوله: «وبذل السلام للعالم»: أي: لجميع الناس، وهذا يتضمن ألا يتكبر على أحد، ولا يجافي أحدًا يمتنع بسببه من السلام عليه[6]العلم الهيب، ص479..
    قال ابن منظور رحمه الله: «البَذْل: ضِدُّ المَنْع، بَذَلَه يَبْذِلُه ويَبْذُلُه بَذْلًا: أَعطاه وجادَ بِهِ، وَكُلُّ مَنْ طَابَتْ نَفْسُهُ بإِعطاء شَيْءٍ فَهُوَ بَاذِلٌ لَهُ»[7]لسان العرب، 11/ 50، مادة (بذل)..
    وقال الصنعاني رحمه الله: «والسلام: اسم من أسماء اللَّه تعالى، فقوله: «السلام عليكم»، أي: أنتم في حفظ اللًّه، كما يقال: اللَّه معك، واللَّه يصحبك، وقيل: السلام بمعنى السلامة، أي: سلامة اللَّه ملازمة لك»[8]سبل السلام شرح بلوغ المرام، 3/ 219..
    وقال ابن منظور رحمه الله: «وَيَقُولُونَ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ، فكأَنه عَلَامَةُ المُسالَمَةِ وأَنه لَا حَرْب هُنَالِكَ، ثُمَّ جَاءَ اللَّه بالإِسلام فَقُصِرُوا عَلَى السَّلَامِ وأُمِرُوا بإِفْشائِهِ. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: نَتَسَلَّمُ مِنْكُمْ سَلَامًا وَلَا نُجاهلكم»[9]لسان العرب، 12/ 289، مادة (سلم)..
    وقال المناوي رحمه الله: «وبذل السلام للعالَم -بفتح اللام-، والمراد به: جميع المسلمين، من عرفته ومن لم تعرفه، كبير أو صغير، شريف أو وضيع، معروف أو مجهول؛ لأنه من التواضع المطلوب، وفي نسخ بدل «للعالم»: «الشفقة على الخلق»، وهو بذل السلام العام»[10]فيض القدير، 3/ 390..
  6. قوله: «والإنفاق من الإقتار»: الإقتار، أي: في وقت القلة وضيق ذات اليد.
    قال ابن منظور رحمه الله: «أَنْفَقَ الْمَالَ: صَرَفَهُ... واسْتَنْفَقه: أَذهبه. والنَّفقة: مَا أُنفِق، وَالْجَمْعُ نِفاق... وَقَدْ أَنفَقت الدَّرَاهِمُ مِنَ النَّفقة، وَرَجُلٌ مِنْفاقٌ، أي: كَثِيرُ النَّفَقة، والنَّفَقة: مَا أَنفَقْت وَاسْتَنْفَقْتَ عَلَى الْعِيَالِ وَعَلَى نَفْسِكَ»[11]لسان العرب، 10/ 358، مادة (نفق)..
    وقال رحمه الله في الإقتار: «وأَقْتَرَ الرَّجُلُ: افْتَقَرَ... وقَتَرَ عَلَى عِيَالِهِ يَقْتُرُ ويَقْتِرُ قَتْرًا وقُتُورًا، أي: ضَيَّقَ عَلَيْهِمْ فِي النَّفَقَةِ، وَكَذَلِكَ التَّقْتيرُ والإِقْتارُ... القَتْرُ: الرُّمْقةُ فِي النَّفَقَةِ... يُقَالُ: إِنه لَقَتُور مُقَتِّرٌ، وأَقْتر الرجلُ: إِذا أَقَلَّ... والإِقْتارُ: التَّضْيِيقُ عَلَى الإِنسان فِي الرِّزْقِ. وَيُقَالُ: أَقْتَر اللَّهُ رِزْقَهُ، أي: ضَيَّقه وَقَلَّلَهُ»[12]لسان العرب، 5/ 70، مادة (قتر)..
    وقال المناوي رحمه الله: «الإنفاق من الإقتار، أي: القلة؛ إذ لا يصدر إلا عن قوة ثقة باللَّه تعالى بإخلافه ما أنفقه، وقوة يقين وتوكل ورحمة، وزهد وسخاء. قال ابن شريف: والحديث عام في النفقة على العيال والأضياف وكل نفقة في طاعة، وفيه أن نفقة المعسر على أهله أعظم أجرًا من نفقة الموسر»[13]فيض القدير، 3/ 390..

ما يستفاد من الحديث:

  1. الحث على الإنصاف عامة، والبدء بالإنصاف من نفسه، وإنما يكون ذلك بفعل الطاعات، وعدم الوقوع في الذنوب والموبقات.
  2. الإنفاق حال الشح يقوي في نفس العبد الثقة باللَّه أنه سيخلف عليه، ويرسخ عنده اليقين، فيزداد بذلك منسوب الإيمان عنده.
  3. بيان فضل السلام، وأنه من الأمور التي يتقرب بها المسلم إلى اللَّه ؛ ولذلك كان من سنن الرسل والملائكة. ألم تر أن الملائكة لما جاءت إبراهيم سلمت عليه؟ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ [الذاريات:25]، فسلموا وسلم، كما أن السلام من أسماء اللَّه تعالى، كما تقدم في حديث أنس .
  4. قال ابن الملقن رحمه الله: «هذِه الثلاث عليها مدار الإسلام، وهي جامعة للخير كله؛ لأن من أنصف من نفسه فيما بينه وبين اللَّه وبين الخلق، ولم يضيِّع شيئًا مما للَّه تعالى عليه وللناس عليه ولنفسه؛ بلغ الغاية في الطاعة»[14]التوضيح لشرح الجامع الصحيح، 2/ 657.
  5. هذه الثلاث خصال عليها مدار الإيمان؛ لأن العبد متى كان متصفًا بالإنصاف كان مؤديًا لما عليه من الحقوق، ومتى كان باذلًا للسلام كان ذلك دليلًا على تواضعه وكرم أخلاقه، ومتى كان منفقًا حال الإقتار فهو في حال السعة أكثر إنفاقًا واجبًا كان أم مندوبًا[15]فتح الباري، 1/ 105..
  6. أول رجل في الإسلام حيَّا بتحية الإسلام هو أبو ذر ، يقول: أتيت النبي حين فرغ من صلاته فكنت أول من حياه بتحية الإسلام، فقال: وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ أَنْتَ؟، قَالَ: قُلْتُ: مِنْ غِفَارٍ[16]صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة ، باب من فضائل أبي ذر ، برقم 2473.. أما أول من سلم بها مطلقًا، فهو آدم، فلما خلقه اللَّه قال له: اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة جلوس، فذهب وقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليكم ورحمة اللَّه[17]انظر: البخاري، كتاب الاستئذان، باب بدء السلام، برقم 6227..
  7. قال الإمام النووي رحمه الله: «قد جمعَ في هذه الكلمات الثلاث خيراتِ الآخرة والدنيا؛ فإنَّ الإِنصافَ يقتضي أن يؤدّي إلى اللَّه تعالى جميع حقوقه وما أمره به، ويجتنب جميع ما نهاه عنه، وأن يؤدي للناس حقوقهم، ولا يطلب ما ليس له، وأن ينصف أيضًا نفسه فلا يوقعها في قبيح أصلًا. وأما بذلُ السلام للعالم، فمعناه: لجميع الناس، فيتضمن ألا يتكبر على أحد، وألا يكون بينه وبين أحد جفاء يمتنع بسببه من السلام عليه. وأما الإِنفاق من الإقتار، فيقتضي كمال الوثوق باللَّه تعالى، والتوكل عليه، والشفقة على المسلمين، إلى غير ذلك. نسأل اللَّه تعالى الكريم التوفيق لجميعه»[18]الأذكار للنووي، ص243..
  8. قال الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله: «وقد تضَمَّنَتْ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ أُصُولَ الْخَيْرِ وَفُرُوعَهُ؛ فَإِنَّ الْإِنْصَافَ يُوجِبُ عَلَيْهِ أَدَاءَ حُقُوقِ اللَّهِ كَامِلَةً مُوَفَّرَةً، وَأَدَاءَ حُقُوقِ النَّاسِ كَذَلِكَ، وَأَلَّا يُطَالِبَهُمْ بِمَا لَيْسَ لَهُ وَلَا يُحَمِّلَهُمْ فَوْقَ وُسْعِهِمْ، وَيُعَامِلَهُمْ بِمَا يُحِبُّ أَنْ يُعَامِلُوهُ بِهِ، وَيُعْفِيَهُمْ مِمَّا يُحِبُّ أَنْ يُعْفُوهُ مِنْهُ، وَيَحْكُمَ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ بِمَا يَحْكُمُ بِهِ لِنَفْسِهِ وَعَلَيْهَا، وَيَدْخُلُ فِي هَذَا إِنْصَافُهُ نَفْسَهُ مِنْ نَفْسِهِ، فَلَا يَدَّعِي لَهَا مَا لَيْسَ لَهَا، وَلَا يُخْبِثُهَا بِتَدْنِيسِهِ لَهَا وَتَصْغِيرِهِ إِيَّاهَا وَتَحْقِيرِهَا بِمَعَاصِي اللَّهِ، وَيُنَمِّيهَا وَيُكَبِّرُهَا وَيَرْفَعُهَا؛ بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَتَوْحِيدِهِ، وَحُبِّهِ، وَخَوْفِهِ، وَرَجَائِهِ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ، وَإِيثَارِ مَرْضَاتِهِ وَمَحَابِّهِ عَلَى مَرَاضِي الْخَلْقِ وَمَحَابِّهِمْ، وَلَا يَكُونُ بِهَا مَعَ الْخَلْقِ وَلَا مَعَ اللَّهِ، بَلْ يَعْزِلُهَا مِنَ الْبَيْنِ كَمَا عَزَلَهَا اللَّهُ، وَيَكُونُ بِاللَّهِ لَا بِنَفْسِهِ؛ فِي حُبِّهِ وَبُغْضِهِ، وَعَطَائِهِ وَمَنْعِهِ، وَكَلَامِهِ وَسُكُوتِهِ، وَمَدْخَلِهِ وَمَخْرَجِهِ، فَيُنْجِي نَفْسَهُ مِنَ الْبَيْنِ، وَلَا يَرَى لَهَا مَكَانَةً يَعْمَلُ عَلَيْهَا»[19]زاد المعاد في هدي خير العباد، 2/ 407..

^1 لسان العرب، 2/ 121، مادة (ثلث).
^2 لسان العرب، 8/ 53، مادة (جمع).
^3 عمدة القاري شرح صحيح البخاري، 1/ 198.
^4 لسان العرب، 9/ 332، مادة (نصف).
^5, ^10, ^13 فيض القدير، 3/ 390.
^6 العلم الهيب، ص479.
^7 لسان العرب، 11/ 50، مادة (بذل).
^8 سبل السلام شرح بلوغ المرام، 3/ 219.
^9 لسان العرب، 12/ 289، مادة (سلم).
^11 لسان العرب، 10/ 358، مادة (نفق).
^12 لسان العرب، 5/ 70، مادة (قتر).
^14 التوضيح لشرح الجامع الصحيح، 2/ 657.
^15 فتح الباري، 1/ 105.
^16 صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة ، باب من فضائل أبي ذر ، برقم 2473.
^17 انظر: البخاري، كتاب الاستئذان، باب بدء السلام، برقم 6227.
^18 الأذكار للنووي، ص243.
^19 زاد المعاد في هدي خير العباد، 2/ 407.