القارئ: حمد الدريهم
keyboard_arrow_down
قَدَرُ الله، وما شاء فَعَلَ[1]المؤمن القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خيرٌ. احرِص على ما ينفعك، واستعِن بالله ولا … Continue reading.
| ^1 | المؤمن القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خيرٌ. احرِص على ما ينفعك، واستعِن بالله ولا تَعْجِزْ، وإن أصابك شيءٌ فلا تَقُلْ: لو أني فعلتُ كان كذا وكذا، ولكن قُلْ: قدَرُ الله، وما شاء فَعَلَ؛ فإنَّ لو تفتح عمل الشيطان. رواه مسلم: 2664. |
|---|
جدول المحتويات
شرح مفردات الحديث:
- قوله: قدر اللَّه وما شاء فعل: لأنه عليم ببواطن الأمور؛ ولأن ما قدره اللَّه كائن لا محالة، والشقي التعيس من لام حاله، أي اعترض على أقدار اللَّه U، فلا يعجز المؤمن عن مأمور، ولا يجزع عن مقدور.
قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: «قدر اللَّه أي: هذا قدر اللَّه، أي تقدير اللَّه وقضاؤه، وما شاء اللَّه U فعله: إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، لا أحد يمنعه في ملكه ما يشاء، ما شاء فعل U، ولكن يجب أن نعلم أنه I لا يفعل شيئًا إلا لحكمة خفيت علينا أو ظهرت لنا، والدليل على هذا قوله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان:30]، فبين أن مشيئته مقرونة بالحكمة والعلم، وكم من شيء كره الإنسان وقوعه فصار في العاقبة خيرًا له، كما قال تعالى: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:216].
ولقد جرت حوادث كثيرة تدل على عظم حكمة اللَّه تعالى وعلمه، وعلى مكانة هذه الآية، من ذلك: قبل عدة سنوات أقلعت طائرة من الرياض متجهة إلى جدة، وفيها ركاب كثيرون، يزيدون عن ثلاثمائة راكب، وكان أحد الركاب الذين سجلوا في هذه الطائرة في قاعة الانتظار حتى نام، وأعلن عن إقلاع الطائرة، وذهب الركاب وركبوا، فإذا بالرجل يستيقظ بعد أن أغلق الباب، فندم ندامة شديدة، كيف فاتته الطائرة؟ ثم إن اللَّه قدر بحكمته أن تحترق الطائرة وركابها، فسبحان اللَّه كيف نجا هذا الرجل؟ كره أنه فاتته الطائرة، ولكن كان ذلك خيرًا له، فأنت إذا بذلت الجهد واستعنت باللَّه وصار الأمر على خلاف ما تريد لا تندم»[1]شرح رياض الصالحين، شرح الحديث رقم 100، قلت: وهذا الحادث بعد عام 1400هـ إما عام 1401، أو 1402، أو 1403، أو بعد ذلك بقليل؛ … Continue reading. - قوله: المؤمن القوي: يشمل قوة الإيمان وقوة البدن.
قال النووي رحمه الله: «وَالْمُرَاد بِالْقُوَّةِ هُنَا عَزِيمَة النَّفْس وَالْقَرِيحَة فِي أُمُور الْآخِرَة، فَيَكُون صَاحِب هَذَا الْوَصْف أَكْثَر إِقْدَامًا عَلَى الْعَدُوّ فِي الْجِهَاد، وَأَسْرَع خُرُوجًا إِلَيْهِ وَذَهَابًا فِي طَلَبه، وَأَشَدُّ عَزِيمَة فِي الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر وَالصَّبْر عَلَى الْأَذَى فِي كُلّ ذَلِكَ وَاحْتِمَال الْمَشَاقّ فِي ذَات اللَّه تَعَالَى، وَأَرْغَب فِي الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالْأَذْكَار وَسَائِر الْعِبَادَات، وَأَنْشَط طَلَبًا لَهَا، وَمُحَافَظَة عَلَيْهَا، وَنَحْو ذَلِكَ»[2]شرح النووي على صحيح مسلم، 16/ 215.. - قوله: وفي كلٍّ خير: لاشتراكهما في أصل الإيمان باللَّه U.
ويرى النووي أن فِي كُلّ مِنْ الْقَوِيّ وَالضَّعِيف خَيْر؛ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْإِيمَان، مَعَ مَا يَأْتِي بِهِ الضَّعِيف مِنْ الْعِبَادَات[3]شرح النووي على صحيح مسلم، 16/ 215..
وقال القاضي عياض: «وفي كلٍّ خير؛ للإيمان الذي هو صفتهم، لكن اللَّه قد باين بين خلقه في داره، ورفع بعضهم فوق بعض درجات»[4]إكمال المعلم شرح صحيح مسلم، للقاضي عياض، 8/ 77.. - وقوله: احرص على ما ينفعك أي: من طاعة اللَّه ورسوله e، وكل أمر حلال يترتب عليه منفعة لك؛ لأن الحرص هو بذل الجهد واستفراغ الوسع مع الرضا بالمقدور.
وقال النووي رحمه الله: «احْرِصْ بِكَسْرِ الرَّاء، وَتَعْجِز بِكَسْرِ الْجِيم، وَحُكِيَ فَتْحهمَا جَمِيعًا، وَمَعْنَاهُ: احْرِصْ عَلَى طَاعَة اللَّه تَعَالَى وَالرَّغْبَة فِيمَا عِنْده، وَاطْلُبْ الْإِعَانَة مِنْ اللَّه تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ»[5]شرح النووي على مسلم، 16/ 215.. - قوله: استعن باللَّه أي: اطلب العون من اللَّه فهو خير معين، أي: توكل على الله، وإذا استعنت بالله وتوكلت عليه ودخلت فيما يرضيه U فأبشر بالخير وأن الله تعالى سيعينك[6]شرح رياض الصالحين، للعلامة ابن عثيمين، شرح الحديث رقم 91.، واستعن باللَّه: ما أروع هذه الكلمة بعد قوله: احرص على ما ينفعك؛ لأن الإنسان إذا كان عاقلًا ذكيًّا فإنه يتتبع المنافع ويأخذ بالأنفع، وربما تغره نفسه حتى يعتمد على نفسه وينسى الاستعانة باللَّه، وهذا يقع لكثير من الناس، حيث يعجب بنفسه ولا يذكر اللَّه U ويستعين به؛ فإذا رأى من نفسه قوة على الأعمال، وحرصًا على النافع، وفعلًا له، أعجب بنفسه، ونسي الاستعانة باللَّه؛ ولهذا قال: احرص على ما ينفعك، واستعن باللَّه أي: لا تنس الاستعانة باللَّه، ولو على الشيء اليسير، وفي الحديث: لِيَسْألْ أَحَدكمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا، حتى يسأَلَ شِسْعَ نَعلِهِ إذَا انْقَطَعَ[7]أخرجه الترمذي، كتاب الدعوات، ليسأل حاجته مهما صغرت، برقم 3604، وابن حبان، 3/ 76، وأبو يعلى، 6/ 130، برقم 3403، … Continue reading، يعني: حتى الشيء اليسير لا تنس اللَّه، حتى ولو أردت أن تتوضأ أو تصلي، أو تذهب يمينًا أو شمالًا، أو تضع شيئًا، فاستحضر أنك مستعين باللَّه U، وأنه لولا عون اللَّه ما حصل لك هذا الشيء[8]شرح رياض الصالحين، للعلامة ابن عثيمين، ح: 91..
- قوله: ولا تعجز أي: عن طلب الإعانة منه، وسبيل ذلك الجد في الطاعة.
فاستعمل الحرص، والاجتهاد في تحصيل ما تنتفع به في أمر دينك ودنياك التي تستعين بها على: صيانة دينك، وصيانة عيالك، ومكارم أخلاقك، ولا تفرط في طلب ذلك، ولا تتعاجز عنه معتذرًا، وتتحجج بالقدر، فتنسب للتقصير، وتلام على التفريط شرعًا وعادة، ومع إنهاء الاجتهاد نهايته، وإبلاغ الحرص غايته، فلا بد من الاستعانة باللَّه، والتوكل عليه، والالتجاء في كل الأمور إليه، فمن سلك هذين الطريقين حصل على خير الدارين[9]سبل السلام شرح بلوغ المرام، للإمام الصنعاني، 3/ 331..
«ونهاه عن العجز، وهو التساهل في الطاعات، وقد استعاذ منه صلى اللَّه تعالى عليه وآله وسلم بقوله: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن؛ ومن العجز والكسل»[10]البخاري، برقم 2893، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم 137.[11]سبل السلام شرح بلوغ المرام، 3/ 331..
فقوله: ولا تعجز يعني: استمر في العمل، ولا تعجز وتتأخر وتقل: إن المدى طويل، والشغل كثير، فما دمت قد صممت في أول الأمر أن هذا هو الأنفع لك واستعنت باللَّه وشرعت فيه فلا تعجز، وهذا الحديث في الحقيقة يحتاج إلى مجلدات يتكلم عليه فيها الإنسان؛ لأن له من الصور والمسائل ما لا يُحصى؛ منها مثلًا: طالب العلم الذي يشرع في كتاب يرى أنه منفعة وفيه مصلحة له، ثم بعد أسبوع أو شهر يمل وينتقل إلى كتاب آخر، هذا نقول: استعان باللَّه، وحرص على ما نفعه، ولكنه عجز، كيف عجز؟ بكونه لم يستمر؛ لأن معنى قوله: لا تعجز أي: لا تترك العمل، بل ما دمت دخلت فيه على أنه نافع فاستمر فيه[12]شرح رياض الصالحين، لابن عثيمين، شرح الحديث رقم 100.. - وقوله: وإن أصابك شيء: أي: مما تكرهه نفسك، وإن أصابك شيء أي من أمر دينك أو دنياك[13]مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، 15/ 214..
- قوله: فإذا غلبك أمر: وقعت في الأمر المكروه بعد الاحتياط، ولم تجد إلى الدفع سبيلًا[14]انظر: فيض القدير شرح الجامع الصغير، 2/ 400..
- قوله: فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر اللَّه، وما شاء فعل، يعني: إن الذي يتعيَّن بعد وقوع المقدور التسليم لأمر اللَّه، والرضا بما قدره اللَّه تعالى، وإعراض عن الالتفات لما مضى وفات[15]انظر: شرح رياض الصالحين، لابن عثيمين، شرح الحديث رقم 100..
- قوله: لو أني فعلت كذا وكذا: قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: «إذا قدر أنه اجتهد في أمر ينفعه، ثم فات الأمر، ولم يكن على ما توقع، تجده يندم، ويقول: ليتني ما فعلت كذا، ولو أني فعلت كذا لكان كذا، وهذا ليس بصحيح، فأنت أدِّ ما عليك، ثم بعد هذا فوض الأمر لله »[16]شرح رياض الصالحين، لابن عثيمين، شرح الحديث رقم 100..
- قَوله: وإِيّاكَ واللَّو، نقل العلامة ابن حجر رحمه الله عن السبكي قوله: «وقَد تَأَمَّلت اقتِران قَوله : احرِص عَلَى ما يَنفَعك بِقَولِهِ: وإِيّاكَ واللَّو، فَوجَدت الإِشارَة إِلَى مَحَلّ لَو المَذمُومَة، وهِيَ نَوعانِ:
- أَحَدهما فِي الحال ما دامَ فِعل الخَير مُمكِنًا، فَلا يُترَك لأَجلِ فَقد شَيء آخَرَ، فَلا تَقُل: لَو أَنَّ كَذا كانَ مَوجُودًا لَفَعَلت كَذا، مَعَ قُدرَته عَلَى فِعله، ولَو لَم يُوجَد ذاكَ، بَل يَفعَل الخَير، ويَحرِص عَلَى عَدَم فَواته.
- والثّانِي: مَن فاتَهُ أَمر مِن أُمُور الدُّنيا، فَلا يَشغَل نَفسه بِالتَّلَهُّفِ عَلَيهِ؛ لِما فِي ذَلِكَ مِنَ الاعتِراض عَلَى المَقادِير»[17]فتح الباري، 13/ 230..
- قوله: فإن لو تفتح عمل الشيطان أي: بالتذمر والاعتراض على ما وقع من غير جدوى، وقد يجره هذا إلى إساءة الظن بخالقه U ثم الكفر به عياذًا باللَّه من ذلك.
ولا تقل لو أني فعلت لكان كذا: إذا قلت هذا انفتح عليك من الوساوس والندم والأحزان ما يكدر عليك الصفو، فقد انتهى الأمر وراح، وعليك أن تسلم الأمر للجبار U، قل: قدر اللَّه وما شاء فعل. واللَّه لو أننا سرنا على هدي هذا الحديث لاسترحنا كثيرًا، لكن تجد الإنسان أولًا لا يحرص على ما ينفعه، بل تمضي أوقاته ليلًا ونهارًا بدون فائدة، تضيع عليه سدى. ثانيًا: إذا قُدِّر أنه اجتهد في أمر ينفعه، ثم فات الأمر، ولم يكن على ما توقع تجده يندم، ويقول: ليتني ما فعلت كذا، ولو أني فعلت كذا لكان كذا، وهذا ليس بصحيح، فأنت أدِّ ما عليك ثم بعد هذا فوض الأمر للَّه U[18]شرح رياض الصالحين، للعلامة ابن عثيمين، شرح الحديث رقم 100..
ما يستفاد من الحديث:
- حث الإسلام على: القوة، والنشاط، والعمل، والاجتهاد، والكسب من عمل اليد، وعدم الاعتماد على الغير، فكل ذلك داخل في معنى المؤمن القوي.
- قال النووي رحمه الله: والمراد بالقوة عزيمة النفس والقريحة في أمور الآخرة، فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقدامًا على العدو في الجهاد، وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الأذى في ذات اللَّه U، وأرغب في الصلاة والصوم والأذكار وسائر العبادات ونحو ذلك[19]شرح النووي على صحيح مسلم، 16/ 215..
وفي كل خير: لئلا يتوهم أحد من الناس أن المؤمن الضعيف لا خير فيه، بل المؤمن الضعيف فيه خير، فهو خير من الكافر لا شك، وهذا الأسلوب يسميه البلاغيون الاحتراز، وهو: إن تكلم الإنسان كلامًا يوهم معنى لا يقصده، فيأتي بجملة تبين أنه يقصد المعنى المعين[20]شرح رياض الصالحين، للعلامة ابن عثيمين، شرح الحديث رقم 100.. - وفي الحديث: الأمر بفعل الأسباب والاستعانة باللَّه، وفيه: التسليم لأمر اللَّه، والرضا بقدر الله[21]تطريز رياض الصالحين، لفيصل بن عبدالعزيز المبارك، ص91..
- الإيمان بالقضاء والقدر حلوه ومره أحد أركان الإيمان الستة، والواجب على المسلم الإيمان بذلك؛ لأنه لا يتم الإيمان إلا به.
- فوائد الإيمان بالقدر:
- أنه من تمام الإيمان بالربوبية.
- أن الإنسان يَرُدّ كل أموره إلى خالقه لمعرفته أنه هو الذي قضاها وقدَّرها.
- تهوين المصائب على العبد.
- إضافة النعم إلى مسديها، لا لمن باشر إيصالها إلى العبد.
- معرفة الإنسان قدر نفسه، فلا يفخر بفعل خير أو عمل صالح.
- الحرص على فعل كل سبب ينفع العبد في الدارين من الأسباب الواجبة والمستحبة والمباحة، مستعينًا باللَّه في ذلك، عالمًا أن السبب لا يعمل إلا بأمر خالق السبب والمسبب.
- الفرق بين القضاء والقدر: أن القدر في اللغة بمعنى التقدير، أما القضاء فهو بمعنى الحكم؛ ولذلك فالقضاء والقدر متباينان إذا اجتمعا، ومترادفان إذا افترقا، فالتقدير هو ما قدره اللَّه في الأزل أن يكون في خلقه، والقضاء هو ما قضى به اللَّه في خلقه، وعلى هذا فيكون التقدير سابقًا للقضاء[22]تطريز رياض الصالحين، لفيصل بن عبدالعزيز المبارك، ص91..
- فيما جاء في اللَّوْ: تستخدم هذه الكلمة على وجهين:
- على وجه الحزن على ما فات، والجزع على ما وقع من المقدور، وهذا منهي عنه لقول اللَّه U: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا [آل عمران:156]، وقول الرسول e: «وإياك واللَّو، فإن اللَّو تفتح عمل الشيطان»[23]سنن ابن ماجه، كتاب الزهد، باب التوكل واليقين، برقم 4168، وابن حبان، 13/ 28، برقم 5721، وحسن إسناده محقق ابن حبان، … Continue reading.
- أن يقول: «لو» لبيان علم نافع، كقول اللَّه تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:22]، وقول النبي : لَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت مَا سُقْت الْهَدْيَ[24]البخاري، كتاب التمني، باب قول النبي : لو استقبلت من أمري ما استدبرت، برقم 7229، ومسلم، برقم 1211 بلفظ: عَنْ … Continue reading، وقوله : لو أوتيت مثل ما أوتي هذا لفعلت كما يفعل[25]البخاري، كتاب التمني، باب تمني القرآن والعلم، برقم 7232.؛ وهذا لبيان محبة الخير وإرادته، وقوله : وددنا أن موسى كان صبر فقص اللَّه علينا من أمرهما[26]البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الخضر مع موسى عليهما السلام، برقم 3401.؛ لأن هذا القصص فيه منفعة، وليس في ذلك وأمثاله جزع ولا حزن على ما مضى[27]انظر: المفيد على كتاب التوحيد للشيخ عبداللَّه القصير، ص289- 290.، ولذلك بوب البخاري بابًا قال فيه: «ما يجوز من اللو»[28]كتاب التمني، باب ما يجوز في اللو، قبل الحديث رقم 7238..
قَالَ النَّوَوِيُّ رحمه الله: «وَقَدْ جَاءَ مِنْ اسْتِعْمَال لَوْ فِي الْمَاضِي قَوْله : لَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اِسْتَدْبَرْت مَا سُقْت الْهَدْي، وَغَيْر ذَلِكَ، فَالظَّاهِر أَنَّ النَّهْي إِنَّمَا هُوَ عَنْ إِطْلَاق ذَلِكَ فِيمَا لَا فَائِدَة فِيهِ، فَيَكُون نَهْيَ تَنْزِيه لَا تَحْرِيم، فَأَمَّا مَنْ قَالَهُ تَأَسُّفًا عَلَى مَا فَاتَ مِنْ طَاعَة اللَّه تَعَالَى أَوْ مَا هُوَ مُتَعَذَّر عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ وَنَحْو هَذَا فَلَا بَأْس بِهِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَل أَكْثَر الِاسْتِعْمَال الْمَوْجُود فِي الْأَحَادِيث»[29]شرح النووي على صحيح مسلم، 16/ 216..
- وقال القسطلاني رحمه الله: فإن اللّو تفتح عمل الشيطان، أي تلقي في القلب معارضة القدر، فيوسوس به الشيطان، ولا معارضة بين ما ورد من الأحاديث الدالّة على الجواز والدالّة على النهي؛ لأن النهي مخصوص بالجزم بالفعل الذي لم يقع، فالمعنى لا تقل لشيء لم يقع: لو أني فعلت كذا لوقع، قاضيًا بتحتم ذلك، غير مضمر في نفسك شرط مشيئة اللَّه، وما ورد من قول لو محمول على ما إذا كان قائله موقنًا بالشرط المذكور، وهو أنه لا يقع شيء إلا بمشيئة اللَّه وإرادته، قاله الطبري. وقال غيره: الظاهر أن النهي عن إطلاق ذلك فيما لا فائدة فيه، أما من قاله تأسفًا على ما فاته من طاعة اللَّه فلا بأس به[30]إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، للقسطلاني، 10/ 282..
- نقل العلامة ابن حجر رحمه الله عن السبكي قوله: «الإِشارَة إِلَى مَحَلّ «لَو» المَذمُومَة، وهِيَ نَوعانِ:
- أَحَدهما: فِي الحال ما دامَ فِعل الخَير مُمكِنًا، فَلا يُترَك لأَجلِ فَقد شَيء آخَرَ ، فَلا تَقُل: لَو أَنَّ كَذا كانَ مَوجُودًا لَفَعَلت كَذا، مَعَ قُدرَته عَلَى فِعله ولَو لَم يُوجَد ذاكَ، بَل يَفعَل الخَير ويَحرِص عَلَى عَدَم فَواته.
- والثّانِي: مَن فاتَهُ أَمر مِن أُمُور الدُّنيا، فَلا يَشغَل نَفسه بِالتَّلَهُّفِ عَلَيهِ؛ لِما فِي ذَلِكَ مِنَ الاعتِراض عَلَى المَقادِير، وتَعجِيل تَحَسُّر لا يُغنِي شَيئًا، ويَشتَغِل بِهِ عَن استِدراك ما لَعَلَّهُ يُجدِي، فالذَّمّ راجِع فِيما يَؤُول فِي الحال إِلَى التَّفرِيط، وفِيما يَؤُول فِي الماضِي إِلَى الاعتِراض عَلَى القَدر، وهُو أَقبَح مِنَ الأَوَّل، فَإِن انضَمَّ إِلَيهِ الكَذِب فَهُو أَقبَح، مِثل قَول المُنافِقِينَ: لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ [التوبة:42]، وقَولهم: لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ [آل عمران:167]، وكَذا قَولهم: لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا [آل عمران:168]، ثُمَّ قالَ: وكُلّ ما فِي القُرآن مِن «لَوْ» الَّتِي مِن كَلام اللَّه تَعالَى كَقَولِهِ تَعالَى: قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ [آل عمران:154]، وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء:78]، ونَحوهما فَهُو صَحِيح؛ لأَنَّهُ تَعالَى عالِم بِهِ، وأَمّا الَّتِي لِلرَّبطِ فَلَيسَ الكَلام فِيها ولا المَصدَرِيَّة، إِلَّا إِن كانَ مُتَعَلَّقها مَذمُومًا، كَقَولِهِ تَعالَى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا [البقرة:109]؛ لأَنَّ الَّذِي ودُّوهُ وقَعَ خِلافه»[31]فتح الباري، 13/ 230..
- قال ابن القيم رحمه الله معلقًا على هذا الحديث: فتضمن هذا الحديث أصولًا عظيمة من أصول الإيمان؛ منها:
- أن اللَّه تعالى موصوف بالمحبة، وأنه يحب حقيقة.
- أنه يحب مقتضى أسمائه وما يوافقها، فهو القوي ويحب المؤمن القوي، وعليم ويحب العلماء وهكذا.
- أن محبته للمؤمنين تتفاضل، فيحب بعضهم أكثر من بعض.
- أن الخير كله في الحرص على ما ينفع الإنسان في الدارين.
- أن هذا الحديث تضمن: إثبات القدر، والكسب، والاختيار، والقيام بالعبودية ظاهرًا وباطنًا في حالتي المطلوب وعدمه.
- أن هذا الحديث مما لا يستغني عنه العبد أبدًا[32]شفاء العليل، ص18، ونقله في فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، للشيخ عبدالرحمن آل الشيخ، ص404..
| ^1 | شرح رياض الصالحين، شرح الحديث رقم 100، قلت: وهذا الحادث بعد عام 1400هـ إما عام 1401، أو 1402، أو 1403، أو بعد ذلك بقليل؛ لأن القصة اشتهرت في ذاك الزمن. |
|---|---|
| ^2, ^3, ^19 | شرح النووي على صحيح مسلم، 16/ 215. |
| ^4 | إكمال المعلم شرح صحيح مسلم، للقاضي عياض، 8/ 77. |
| ^5 | شرح النووي على مسلم، 16/ 215. |
| ^6 | شرح رياض الصالحين، للعلامة ابن عثيمين، شرح الحديث رقم 91. |
| ^7 | أخرجه الترمذي، كتاب الدعوات، ليسأل حاجته مهما صغرت، برقم 3604، وابن حبان، 3/ 76، وأبو يعلى، 6/ 130، برقم 3403، والبيهقي في شعب الإيمان، 2/ 40، والضياء 5/ 9، وقال: «رجاله موثقون، والصواب أنه مرسل»، والبزار، 2/ 317، برقم 6876، وقال في مجمع الزوائد، 10/ 150 عن رواية البزار: «رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير سيار بن حاتم وهو ثقة»، وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح، 2/ 7. |
| ^8 | شرح رياض الصالحين، للعلامة ابن عثيمين، ح: 91. |
| ^9 | سبل السلام شرح بلوغ المرام، للإمام الصنعاني، 3/ 331. |
| ^10 | البخاري، برقم 2893، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم 137. |
| ^11 | سبل السلام شرح بلوغ المرام، 3/ 331. |
| ^12, ^16 | شرح رياض الصالحين، لابن عثيمين، شرح الحديث رقم 100. |
| ^13 | مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، 15/ 214. |
| ^14 | انظر: فيض القدير شرح الجامع الصغير، 2/ 400. |
| ^15 | انظر: شرح رياض الصالحين، لابن عثيمين، شرح الحديث رقم 100. |
| ^17, ^31 | فتح الباري، 13/ 230. |
| ^18, ^20 | شرح رياض الصالحين، للعلامة ابن عثيمين، شرح الحديث رقم 100. |
| ^21, ^22 | تطريز رياض الصالحين، لفيصل بن عبدالعزيز المبارك، ص91. |
| ^23 | سنن ابن ماجه، كتاب الزهد، باب التوكل واليقين، برقم 4168، وابن حبان، 13/ 28، برقم 5721، وحسن إسناده محقق ابن حبان، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، برقم 3361. |
| ^24 | البخاري، كتاب التمني، باب قول النبي : لو استقبلت من أمري ما استدبرت، برقم 7229، ومسلم، برقم 1211 بلفظ: عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ e لِأَرْبَعٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ أَوْ خَمْسٍ، فَدَخَلَ عَلَيَّ وَهُوَ غَضْبَانُ، فَقُلْتُ: مَنْ أَغْضَبَكَ، يَا رَسُولَ اللهِ؟ أَدْخَلَهُ اللهُ النَّارَ، قَالَ: أَوَمَا شَعَرْتِ أَنِّي أَمَرْتُ النَّاسَ بِأَمْرٍ، فَإِذَا هُمْ يَتَرَدَّدُونَ؟، قَالَ الْحَكَمُ: كَأَنَّهُمْ يَتَرَدَّدُونَ أَحْسِبُ وَلَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، مَا سُقْتُ الْهَدْيَ مَعِي حَتَّى أَشْتَرِيَهُ، ثُمَّ أَحِلُّ كَمَا حَلُّوا. |
| ^25 | البخاري، كتاب التمني، باب تمني القرآن والعلم، برقم 7232. |
| ^26 | البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الخضر مع موسى عليهما السلام، برقم 3401. |
| ^27 | انظر: المفيد على كتاب التوحيد للشيخ عبداللَّه القصير، ص289- 290. |
| ^28 | كتاب التمني، باب ما يجوز في اللو، قبل الحديث رقم 7238. |
| ^29 | شرح النووي على صحيح مسلم، 16/ 216. |
| ^30 | إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، للقسطلاني، 10/ 282. |
| ^32 | شفاء العليل، ص18، ونقله في فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، للشيخ عبدالرحمن آل الشيخ، ص404. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط