يجمع كفَّيه، ثم يَنْفُثُ فيهما، فيقرأ فيهما: بسم الله الرحمن الرحيم: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:1- 4]. بسم الله الرحمن الرحيم، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ [الفلق:1- 5]. بسم الله الرحمن الرحيم، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [الناس:1- 6]، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مراتٍ[1]رواه البخاري: 5017..
| ^1 | رواه البخاري: 5017. |
|---|
جدول المحتويات
شرح مفردات الحديث:
- قوله: «يجمع كفيه» أي: بضم بعضهما إلى بعض، مع إلصاق إحداهما بالأخرى، وهما مفتوحتان إلى جهة فمه الشريف من أجل النفث فيهما.
- قوله: «ينفث»: النفث: بالفم يشبه النفخ، وهو أقل من التفل؛ لأن التفل يكون معه شيء من الريق، وأما النفث فقد يكون معه شيء من الريق، وقد لا يكون.
وقال ابن منظور رحمه الله: «النَّفْثُ: أَقلُّ مِنَ التَّفْل، لأَن التَّفْلَ لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الرِّيقِ؛ والنفثُ: شَبِيهٌ بِالنَّفْخِ؛ وَقِيلَ: هُوَ التَّفْلُ بِعَيْنِهِ. نَفَثَ الرَّاقي، وَفِي الْمُحْكَمِ: نَفَثَ يَنْفِثُ ويَنْفُثُ نَفْثًا ونَفَثانًا... والنَّفْث بِالْفَمِ شبيهٌ بِالنَّفْخِ...والحيَّةُ تَنْفُثُ السمَّ حِينَ تَنْكُزُ، والجُرْحُ يَنْفُثُ الدمَ إِذا أَظهره، وَسمٌّ نَفِيثٌ وَدَمٌ نَفِيثٌ إِذا نَفَثَه الجرحُ»[1]لسان العرب، 2/ 195، مادة (نفث).. - قوله: «يمسح بهما» أي: بكفيه ، قال الزرقاني رحمه الله: «مَسْحُهَا عَلَى كُلِّ مَا يُرْجَى بَرَكَتُهُ وَشِفَاؤُهُ وَخَيْرُهُ... وَالتَّبَرُّك بِالْيُمْنَى دُونَ الشِّمَالِ، وَتَفْضِيلها عَلَيْهَا، وَفِي ذَلِكَ مَعْنَى الْفَأْلِ»[2]شرح الزرقاني على الموطأ، 4/ 518..
- قوله: «ما استطاع من جسده» أي: ما أمكن مسحه من جسده الشريف، قال القاري رحمه الله: «أَيْ: مَا أَمْكَنَهُ وَقَدَرَ عَلَيْهِ»[3]مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، 1/ 408..
- قوله: «يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده»: قال الطيبي رحمه الله: «بيان لجملة قوله: «يمسح بهما ما استطاع من جسده»، أو بدل منه... لكن قوله: «ما استطاع من جسده» وقوله: «يبدأ» يقتضيان أن يقدر: يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، ثم ينتهي إلى ما أدبر من جسده»[4]شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 5/ 1652..
- قوله: يا عُقْبَ: هذا ترخيم لاسم «عقبة»، وهو نداء تحبب وتلطف، وقد عرّف البلاغيون الترخيم فقالوا: «فقد يحذف العربيُّ في النداء آخر حرف في الكلمة، أو الحرفين الأخيرَيْن منها، وقَدْ يَحْذِفُ الجزءَ الثانِيَ من جزأي الكلمة المركّبة تركيبًا مزجيًّا، وقد يحذف في الترخيم المضاف إليه، ومن دواعيه إلى ذلك: الإِيجاز، والتحبُّبُ لِلْمُنَادى أحيانًا، ومراعاة جمال فنّيٍّ في نَسَقِ الكلام»[5]البلاغة العربية أسسها وعلومها وفنونها، لعبدالرحمن حسن حبنكة، ص257..
- قوله: «فأجللت»: قال العلامة السندي رحمه الله: «أي: عظمت، فأشفقت، أي خفت»[6]حاشية السندي على النسائي، 8/ 253..
- قوله: «في نقب من تلك النقاب»: قال ابن منظور رحمه الله: «الطَّرِيقُ بَيْنَ الدَّارَيْنِ، كأَنه نُقِبَ مِنْ هَذِهِ إِلى هَذِهِ؛ وَقِيلَ: هُوَ الطَّرِيقُ الَّتِي تَعْلُو أَنْشازَ الأَرض... وَهُوَ الطَّرِيقُ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ»[7]لسان العرب، 1/ 767، مادة (نقب)..
- قوله: اقرأ بهما كُلَّمَا نِمْتَ وكلما قُمْتَ، قال الإمام ابن خزيمة رحمه الله: «هَذِهِ اللَّفْظَةُ كُلَّمَا نِمْتَ وَقُمْتَ مِنَ الْجِنْسِ الَّذِي أَعْلَمْتُ أَنَّ الْعَرَبَ تُوقِعُ اسْمَ النَّائِمِ عَلَى الْمُضْطَجِعِ، وَتُوقِعُهُ عَلَى النَّائِمِ الزَّائِلِ الْعَقْلِ، وَالنَّبِيُّ إِنَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ فِي هَذَا الْخَبَرِ: اقْرَأْ بِهِمَا إِذَا نِمْتَ، أَيْ: إِذَا اضْطَجَعْتَ، إِذِ النَّائِمُ الزَّائِلُ الْعَقْلِ مُحَالٌ أَنْ يُخَاطَبَ، فَيُقَالُ لَهُ: إِذَا نِمْتَ -وَزَالَ عَقَلُهُ- فَاقْرَأْ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ... وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالنَّائِمِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْمُضْطَجِعَ، لَا النَّائِمَ الزَّائِلَ الْعَقْلِ، إِذِ النَّائِمُ الزَّائِلُ الْعَقْلِ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِالصَّلَاةِ، وَلَا يُمْكِنُهُ الصَّلَاةُ لِزَوَالِ الْعَقْلِ»[8]صحيح ابن خزيمة، 1/ 295..
وأما قمت فيقول العلامة البهوتي رحمه الله: «كُلَّمَا: تَعُمُّ الْأَوْقَاتَ، فَهِيَ بِمَعْنَى كُلِّ وَقْتٍ، فَمَعْنَى كُلَّمَا قُمْتَ قُمْتُ: كُلَّ وَقْتٍ تَقُومُ فِيهِ أَقُومُ فِيهِ»[9]شرح منتهى الإرادات، للبهوتي، 3/ 113.. - تقدم شرح مفردات المعوذات الثلاث في شرح مفردات الحديث رقم 70 من أحاديث المتن.
ما يستفاد من الحديث:
- الإرشاد النبوي الكريم بفعله بقراءة هذه السور الثلاث عند النوم؛ لما فيها من التعوذات المباركة، لا سيما أن الإنسان وهو نائم معرض لأي مكروه: حسي، أو معنوي.
- جاء في بعض هذا الحديث أن عائشة رضي الله عنها قالت: «فلما اشتكى -أي رسول اللَّه ، أي: مرض في مرض موته- كان يأمرني أن أفعل ذلك»[10]البخاري، كتاب المغازي، باب مرض النبي ووفاته، برقم 4439.، أي: أن النبي كان ينفث هو في يديه، ثم يأمر عائشة أن تُمر يده على جسده الشريف؛ لشدة مرضه عليه الصلاة والسلام.
- هذه السور الثلاث تسمى المعوذات؛ لأن سورتي الفلق والناس تشتملان على جمل نافعة من التعوذ، أما سورة الإخلاص فقد جاء ذكرها على سبيل التغليب؛ لما اشتملت عليه من صفات الرب ، قال النووي رحمه الله: وإنما رقى بالمعوذات لأنهن جامعات[11]شرح النووي على صحيح مسلم، 14/ 183..
- الاستعاذة من كل مكروه جملة وتفصيلًا[12]شرح النووي على صحيح مسلم، 14/ 183..
- مما ينبغي أن يعلم أن مسح الوجه والبدن -أي: بعد النفث فيهما بالمعوذات- خاص بحالتي النوم والمرض، ولم يثبت أن النبي فعل ذلك في مواطن أخرى، وهذا ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله[13]مجموع الفتاوى، 12/ 519..
- مما يسن قراءته أيضًا قبل النوم، وفيه معاني التوحيد والبراءة من الشرك شأنه شأن سورة الإخلاص: سورة الكافرون.
| ^1 | لسان العرب، 2/ 195، مادة (نفث). |
|---|---|
| ^2 | شرح الزرقاني على الموطأ، 4/ 518. |
| ^3 | مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، 1/ 408. |
| ^4 | شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 5/ 1652. |
| ^5 | البلاغة العربية أسسها وعلومها وفنونها، لعبدالرحمن حسن حبنكة، ص257. |
| ^6 | حاشية السندي على النسائي، 8/ 253. |
| ^7 | لسان العرب، 1/ 767، مادة (نقب). |
| ^8 | صحيح ابن خزيمة، 1/ 295. |
| ^9 | شرح منتهى الإرادات، للبهوتي، 3/ 113. |
| ^10 | البخاري، كتاب المغازي، باب مرض النبي ووفاته، برقم 4439. |
| ^11, ^12 | شرح النووي على صحيح مسلم، 14/ 183. |
| ^13 | مجموع الفتاوى، 12/ 519. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط