القارئ: حمد الدريهم
keyboard_arrow_down
من أطعمه الله الطعام فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وأطعِمنا خيرًا منه. ومن سقاه الله لبنًا فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وزِدْنا منه[1]رواه أبو داود: 3730، والترمذي: 3455 واللفظ له، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع": 381..
| ^1 | رواه أبو داود: 3730، والترمذي: 3455 واللفظ له، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع": 381. |
|---|
جدول المحتويات
شرح مفردات الحديث:
- قوله: من أطعمه اللَّه طعامًا: قال الشوكاني رحمه الله: «فإذا فرغ من الأكل والشرب»[1]تحفة الذاكرين بعدة الحصن الحصين، للشوكاني، ص224..
- قوله: إذا أكل أحدكم طعامًا: قال المباركفوري رحمه الله: «أَيْ: أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ طَعَامًا، أي: غَيْرَ لَبَنٍ»[2]تحفة الأحوذي، 9/ 296..
- قوله: الشربة لك: أي: لكونك على يميني، فأنت مستحق لها، فلا تدفع لغيرك إلا بإذنك. قال المباركفوري رحمه الله: «قَوْلُهُ: الشَّرْبَةُ لَكَ، أي: أَنْتَ مُسْتَحِقٌّ لَهَا لِأَنَّكَ عَلَى جِهَةِ يَمِينِي، فَإِنْ شِئْتَ آثَرْتَ بِهَا خَالِدًا، أي: اخْتَرْتَ بِالشَّرْبَةِ عَلَى نَفْسِكَ خَالِدًا»[3]تحفة الأحوذي، 9/ 96..
- قوله: آثرت: أي: تركتها لخالد عن رغبة منك. قال ابن منظور رحمه الله: «المأْثُرة -بِفَتْحِ الثَّاءِ وَضَمِّهَا-: الْمَكْرَمَةُ؛ لأَنها تُؤْثَر، أي: تُذْكَرُ، ويأْثُرُها قَرْنٌ عَنْ قَرْنٍ: يَتَحَدَّثُونَ بِهَا... مآثِرُ الْعَرَبِ: مكارِمُها ومفاخِرُها الَّتِي تُؤْثَر عَنْهَا، أي: تُذْكَر وَتُرْوَى... وآثَرَه عَلَيْهِ: فَضَّلَهُ... وآثَرَ، كُلُّهُ: فَضّل وقَدّم. وآثَرْتُ فُلَانًا عَلَى نَفْسِي: مِنَ الإِيثار... آثَرْتُك إِيثارًا، أي: فَضَّلْتُك»[4]لسان العرب، 4/ 6، مادة (أثر)..
- قوله: «سؤرك»: السؤر: هو البقية والفضلة بعد الشرب. قال المباركفوري رحمه الله: «السُّؤْرُ -بِضَمِّ السِّينِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ-: الْبَقِيَّةُ وَالْفَضْلَةُ، وَالْمَعْنَى: مَا كُنْتُ لِأَخْتَارَ عَلَى نَفْسِي بِفَضْلٍ مِنْكَ أَحَدًا»[5]تحفة الأحوذي، 9/ 296..
- قوله: أطعمه اللَّه طعامًا: أي: ساق له هذا الطعام ليأكله. قال ابن منظور رحمه الله: «الطَّعامُ: اسمٌ جامعٌ لِكُلِّ مَا يُؤكَلُ، وَقَدْ طَعِمَ يَطْعَمُ طُعْمًا، فَهُوَ طاعِمٌ إِذَا أَكَلَ أَو ذاقَ... وقولُه تَعَالَى: مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ [الذاريات:57] مَعْنَاهُ: مَا أُريدُ أَن يَرْزُقُوا أَحدًا مِنْ عِبَادِي وَلَا يُطْعِمُوه؛ لأَني أَنا الرَّزَّاقُ المُطْعمُ»[6]لسان العرب، 12/ 363، مادة (طعم)..
- قوله: فليقل: اللهم بارك لنا فيه: أي: اجعل هذا الخير في نماء دائمًا، واجعله عونًا لنا على طاعتك. قال المباركفوري رحمه الله: «بَارِكْ لَنَا فِيهِ: مِنَ الْبَرَكَةِ، وَهِيَ زِيَادَةُ الْخَيْرِ وَنُمُوُّهُ وَدَوَامُهُ، وَأَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ مِنْ طَعَامِ الْجَنَّةِ أَوْ أَعَمَّ»[7]تحفة الأحوذي، 9/ 296..
- قوله: ومن سقاه اللَّه لبنًا فليقل: اللهم بارك لنا فيه: قال الشوكاني رحمه الله: «دليل على أن اللبن أرفع حالًا من الطعام، ووجه ذلك أن النبي طلب أن يطعمه اللَّه ما هو خير من الطعام»[8]تحفة الذاكرين بعدة الحصن الحصين، للشوكاني، ص224..
- قوله: وأطعمنا خيرًا منه: أي: من طُعُم الجنة العالية ذات القطوف الدانية.
قال الشوكاني رحمه الله: «طلب أن يطعمه اللَّه ما هو خير من الطعام، ولم يطلب ذلك في اللبن، وإنما طلب الزيادة منه»[9]تحفة الذاكرين بعدة الحصن، الحصين للشوكاني، ص224، والتنوير شرح الجامع الصغير، 1/ 591..
وقال المباركفوري رحمه الله: «وَأَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ مِنْ طَعَامِ الْجَنَّةِ أَوْ أَعَمَّ»[10]تحفة الأحوذي، 9/ 296.. - قوله: وزدنا منه: قال الصنعاني رحمه الله: «لا خير من اللبن في المشروب فيسأل، إنما يطلب الزيادة منه، وقد بين أخيريته بإغنائه، أي: إجزائه عن الطعام والشراب، فدل أن الخيرية في النفع والكفاية لا في التلذذ والرفاهية»[11]التنوير شرح الجامع الصغير، 1/ 591..
- قوله: يجزئ: أي: يكفي لدفع الجوع والعطش. قال المباركفوري رحمه الله: «لَيْسَ شَيْءٌ يُجْزِئُ -بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الزَّايِ بَعْدَهَا هَمْزٌ-، أي: يَكْفِي فِي دَفْعِ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ مَعًا مَكَانَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، أي: مَكَانَ جِنْسِ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ وَبَدَلَهُمَا غَيْرُ اللَّبَنِ، بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يُجْزِئُ»[12]تحفة الأحوذي، 9/ 296..
- قوله: «الضب»: قال ابن منظور: «الضَّبُّ: دُوَيْبَّة مِنَ الْحَشَرَاتِ، مَعْرُوفٌ، وَهُوَ يُشْبِهُ الوَرَلَ؛ وَالْجَمْعُ: أَضُبٌّ، مِثْلُ: كَفٍّ وأَكُفٍّ، وضِبابٌ وضُبَّانٌ»[13]لسان العرب، 1/ 538، مادة (ضبّ)..
- قوله: «مشوي»: قال ابن منظور رحمه الله: «والشَّيُّ: مَصْدَرُ شَوَيْتُ، والشِّوَاءُ الاسمُ. وشَوَى اللَّحْمَ شَيًّا فانْشَوَى... واشْتَوَى القَوْمُ: اتَّخَذُوا شِواءً... وشَوَّاهُمْ وأَشْواهُمْ: أَطْعَمَهُم شِواءً. وأَشْواهُ لَحْمًا: أَطْعَمَه إِيَّاه»[14]لسان العرب، 14/ 446، مادة (شوي)..
- قوله: «ثمامتين»: قال الخطابي رحمه الله: «الثمامتان: عودان، واحدتهما: ثمامة، والثمام: شجر دقيق العود ضعيفه»[15]معالم السنن، 4/ 276..
وقال ابن منظور رحمه الله: «والثُّمامُ: نَبْت مَعْرُوفٌ فِي الْبَادِيَةِ، وَلَا تَجْهَدُه النَّعَم، نَبْتٌ ضَعِيفٌ قَصِيرٌ لَا يَطُولُ... ومَا يَبِس مِنَ الأَغْصان الَّتِي توضَع تَحْتَ النَّضَدِ، وبيتٌ مَثْمومٌ: مُغَطًّى بالثُّمامِ»[16]لسان العرب، 12/ 79، مادة (ثمم).. - قوله: «فتبزق»: تكرُّهًا. قال ابن منظور رحمه الله: «بزق: البَزْقُ والبَصْق: لُغَتَانِ فِي البُزاق والبُصاق، بَزَق يَبْزُق بَزْقًا»[17]لسان العرب، 10/ 19، مادة (بزق)..
- قوله: «كأنك تقذره»: قال ابن منظور رحمه الله: «قذر: القَذَرُ: ضِدُّ النَّظَافَةِ؛ وَشَيْءٌ قَذِرٌ: بَيِّنُ القَذارةِ... وَقَدْ قَذِرَه قَذَرًا وتَقَذَّره واسْتَقْذره... والقاذورة الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا: الْفِعْلُ الْقَبِيحُ، وَاللَّفْظُ السيئ. ورجل قَذُرٌ وقَذِرٌ وقَذْرٌ. وَيُقَالُ: أَقْذَرْتَنا يَا فُلَانُ، أي: أَضْجَرْتَنا»[18]لسان العرب، 5/ 80، مادة (قذر)..
ما يستفاد من الحديث:
- الحث على إكرام الضيف، وإن كان كثير الدخول على صاحب البيت لقرابته منه؛ لأن ميمونة هي أخت أم الفضل لبابة الكبرى الهلالية والدة ابن عباس، وأخت لبابة الصغرى الهلالية والدة خالد بن الوليد رضي الله عنهم جميعًا[19]الصواب أن أم خالد بن الوليد لبابة الصغرى صحابية، وبه جزم الحافظ ابن حجر في الإصابة، 8/ 178..
- قال ابن عبدالبر رحمه الله: «ولا يجوز عندي لأحد شرب ماءً أو لبنًا أو غير ذلك من الأشربة الحلال، وحوله من يريد أن يشرب من ذلك معه ممن به الحاجة إليه أوليس به حاجة إليه، إذا وسعهم ذلك الشراب؛ أن يناول من على يساره البتة بحال، فاضلًا كان أو مفضولًا، حتى يشاور من على يمينه؛ فإنه حق له بالسنة الثابتة في هذا الحديث، فإن أذن له فعل، وإلا فهو أحق بالشراب من الذي على يساره، وهذا نص صحيح ثابت، لا يلتفت إلى ما خالفه من آراء الرجال، وباللَّه التوفيق، وهو المستعان. والشراب المذكور في هذا الحديث كان لبنًا»[20]التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، 21/ 121..
- استحباب التيامن في كافة الأمور هو هديه ، إلا ما استقذر كاستنجاء أو نحوه، وإن كان من على اليسار فاضلًا ومن كان على اليمين مفضولًا. دليل ذلك أن النبي كان عند أنس في داره، فأعطاه لبنًا، فشرب رسول اللَّه وأبو بكر عن يساره وعمر أمامه وأعرابي عن يمينه، فلما فرغ من شربه قال عمر: هذا أبو بكر يا رسول اللَّه يريه إياه، فأعطى رسول اللَّه الأعرابي، وقال: الأيمنون ثلاثًا، قال أنس: فهي سنة، قالها ثلاثًا[21]مسلم، كتاب الأشربة، باب استحباب إدارة الماء واللبن ونحوهما عن يمين المبتدئ، برقم 2030..
- قال العيني رحمه الله: «وفيه فضيلة اليمين على الشمال، وقد أمروا بالشرب بها والمعاطاة دون الشمال، وفيه أن من استحق شيئًا من الأشياء لم يدفع عنه صغيرًا كان أو كبيرًا، إذا كان ممن يجوز إذنه»[22]عمدة القاري شرح صحيح البخاري، 19/ 9..
- قال النووي رحمه الله: «وَتَضَمَّنَ ذَلِكَ أَيْضًا بَيَان هَذِهِ السُّنَّة، وَهِيَ أَنَّ الْأَيْمَن أَحَقّ، وَلَا يُدْفَع إِلَى غَيْره إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَأَنَّهُ لَا بَأْس بِاسْتِئْذَانِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمهُ الْإِذْن، وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا أَلَّا يَأْذَن إِنْ كَانَ فِيهِ تَفْوِيت فَضِيلَة أُخْرَوِيَّة وَمَصْلَحَة دِينِيَّة كَهَذِهِ الصُّورَة»[23]شرح النووي على صحيح مسلم، 13/ 201..
- واختُلف في الإيثار في الطاعات، فقيل: الإيثار المحمود إنما يكون في أمور الدنيا وما كان فيه حظ للنفس، أما الإيثار المذموم فهو ما كان في الطاعات، فيكره أن يؤثر غيره بموضعه في الصف الأول، وكذلك نظائره[24]انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، 13/ 201.. وقيل: بل الإيثار بالطاعات لا بأس به، وقد يحصل المؤثر غيره على أضعاف الثواب.
قال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد: «يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَسْأَلَ أَخَاهُ أَنْ يُؤْثِرَهُ بِقُرْبَةٍ مِنَ الْقُرَبِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُؤْثِرَ بِهَا أَخَاهُ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ مِنَ الْفُقَهَاءِ: «لَا يَجُوزُ الْإِيثَارُ بِالْقُرَبِ» لَا يَصِحُّ، وَقَدْ آثَرَتْ عائشة عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بِدَفْنِهِ فِي بَيْتِهَا جِوَارَ النَّبِيِّ ، وَسَأَلَهَا عمر ذَلِكَ فَلَمْ تَكْرَهْ لَهُ السُّؤَالَ وَلَا لَهَا الْبَذْلَ.
وَعَلَى هَذَا فَإِذَا سَأَلَ الرَّجُلُ غَيْرَهُ أَنْ يُؤْثِرَهُ بِمَقَامِهِ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ لَمْ يُكْرَهُ لَهُ السُّؤَالُ، وَلَا لِذَلِكَ الْبَذْلُ وَنَظَائِرُهُ، وَمَنْ تَأَمَّلَ سِيرَةَ الصَّحَابَةِ وَجَدَهُمْ غَيْرَ كَارِهِينَ لِذَلِكَ وَلَا مُمْتَنِعِينَ مِنْهُ، وَهَلْ هَذَا إِلَّا كَرَمٌ وَسَخَاءٌ وَإِيثَارٌ عَلَى النَّفْسِ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ مَحْبُوبَاتِهَا؛ تَفْرِيحًا لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ، وَتَعْظِيمًا لِقَدْرِهِ، وَإِجَابَةً لَهُ إِلَى مَا سَأَلَهُ، وَتَرْغِيبًا لَهُ فِي الْخَيْرِ؟ وَقَدْ يَكُونُ ثَوَابُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ رَاجِحًا عَلَى ثَوَابِ تِلْكَ الْقُرْبَةِ، فَيَكُونُ الْمُؤْثِرُ بِهَا مِمَّنْ تَاجَرَ فَبَذَلَ قُرْبَةً وَأَخَذَ أَضْعَافَهَا.
وَعَلَى هَذَا فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُؤْثِرَ صَاحِبُ الْمَاءِ بِمَائِهِ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ وَيَتَيَمَّمَ هُوَ، إِذَا كَانَ لَا بُدَّ مِنْ تَيَمُّمِ أَحَدِهِمَا، فَآثَرَ أَخَاهُ، وَحَازَ فَضِيلَةَ الْإِيثَارِ وَفَضِيلَةَ الطُّهْرِ بِالتُّرَابِ، وَلَا يَمْنَعُ هَذَا كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا مَكَارِمُ أَخْلَاقٍ.
وَعَلَى هَذَا فَإِذَا اشْتَدَّ الْعَطَشُ بِجَمَاعَةٍ وَعَايَنُوا التَّلَفَ، وَمَعَ بَعْضِهِمْ مَاءٌ، فَآثَرَ عَلَى نَفْسِهِ وَاسْتَسْلَمَ لِلْمَوْتِ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا، وَلَمْ يُقَلْ: إِنَّهُ قَاتِلٌ لِنَفْسِهِ، وَلَا إِنَّهُ فَعَلَ مُحَرَّمًا، بَلْ هَذَا غَايَةُ الْجُودِ وَالسَّخَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9].
وَقَدْ جَرَى هَذَا بِعَيْنِهِ لِجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي فُتُوحِ الشَّامِ، وَعُدَّ ذَلِكَ مِنْ مَنَاقِبِهِمْ وَفَضَائِلِهِمْ. وَهَلْ إِهْدَاءُ الْقُرَبِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا وَالْمُتَنَازَعِ فِيهَا إِلَى الْمَيِّتِ إِلَّا إِيثَارٌ بِثَوَابِهَا؟ وَهُوَ عَيْنُ الْإِيثَارِ بِالْقُرَبِ، فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يُؤْثِرَهُ بِفِعْلِهَا لِيُحْرِزَ ثَوَابَهَا، وَبَيْنَ أَنْ يَعْمَلَ ثُمَّ يُؤْثِرَهُ بِثَوَابِهَا؟ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ»[25]زاد المعاد في هدي خير العباد، 3/ 442.. - فعل ابن عباس رضي الله عنهما دليل على فطنته، رغم أنه كان غلامًا، وإنما فعل ذلك ليشرب من المكان الذي شرب منه النبي تبركًا بريقه الشريف، وهذا من خصائصه ، ولا تنسحب إلى أحد من الأمة مهما علا قدره.
- استحباب تقديم اللبن للضيف؛ لفعل الصحابة م ذلك كثيرًا، وإن قُدم غيره فلا شيء في ذلك، إلا أن اللبن أنفع من غيره. قال الحافظ: وبه يشتد العظم، وينبت اللحم، وهو بمجرده قوت، ولا يدخل في السرف بوجه، وهو أقرب إلى الزهد[26]انظر: فتح الباري 10/ 87.. وهو إشارة إلى الفطرة، ولذلك اختاره النبي ليلة المعراج[27]البخاري، كتاب الأشربة، باب شرب اللبن، برقم 5610. لمَّا خير بين اللبن والعسل والخمر، أي: خمر الجنة.
- قال ابن عبدالبر رحمه الله: «وفي هذا الحديث من الفقه أن من وجب له شيء من الأشياء لم يدفع عنه، ولم يتسور عليه فيه إلا بإذنه، صغيرًا كان أو كبيرًا، إذا كان ممن يجوز له إذنه، وليس هذا موضع كبِّر، كبِّر؛ لأن السن إنما يراعى عند استواء المعاني والحقوق، وكل ذي حق أولى بحقه أبدًا، والمناولة على اليمين من الحقوق الواجبة في آداب المجالسة»[28]التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، 21/ 123..
- وفي هذا الحديث دليل على أن الجلساء شركاء في الهدية، وذلك على جهة الأدب والمروءة والفضل والأخوة لا على الوجوب؛ لإجماعهم على أن المطالبة بذلك غير واجبة لأحد، وباللَّه التوفيق[29]التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، 21/ 123..
- استحباب قول: اللَّهم بارك لنا فيه وزدنا منه بعد شرب اللبن، واستحباب المضمضة منه بعد شربه؛ لقوله : إن له لدسمًا[30]البخاري، كتاب الوضوء، باب هل يمضمض من اللبن، برقم 211..
- في قوله : وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ [النحل:66]: قال الجزائري: «فسبحان ذي القدرة العجيبة، والعلم الواسع، والحكمة التي لا يقادر قدرها! اللبن يقع بين الفرث والدم، والفرث هو الروث الموجود في الكرش، فينقل الدم إلى الكبد، فيوزعه على العروق لبقاء حياة الحيوان، واللبن يساق إلى الضرع، والفرث يبقى أسفل الكرش، ويخرج اللبن خالصًا من شائبة الدم وشائبة الفرث، فلا يرى ذلك في لون اللبن، ولا يشم في رائحته، ولا يوجد في طعمه، بدليل أنه سائغ للشاربين. حقًّا إنها عبرة من أجلّ العبر، تنقل صاحبها إلى نور العلم والمعرفة باللَّه في جلاله وكماله، فتورثه محبة اللَّه، وتدفعه إلى طاعته والتقرب إليه»[31]تفسير الجزائري، ص894..
| ^1, ^8 | تحفة الذاكرين بعدة الحصن الحصين، للشوكاني، ص224. |
|---|---|
| ^2, ^5, ^7, ^10, ^12 | تحفة الأحوذي، 9/ 296. |
| ^3 | تحفة الأحوذي، 9/ 96. |
| ^4 | لسان العرب، 4/ 6، مادة (أثر). |
| ^6 | لسان العرب، 12/ 363، مادة (طعم). |
| ^9 | تحفة الذاكرين بعدة الحصن، الحصين للشوكاني، ص224، والتنوير شرح الجامع الصغير، 1/ 591. |
| ^11 | التنوير شرح الجامع الصغير، 1/ 591. |
| ^13 | لسان العرب، 1/ 538، مادة (ضبّ). |
| ^14 | لسان العرب، 14/ 446، مادة (شوي). |
| ^15 | معالم السنن، 4/ 276. |
| ^16 | لسان العرب، 12/ 79، مادة (ثمم). |
| ^17 | لسان العرب، 10/ 19، مادة (بزق). |
| ^18 | لسان العرب، 5/ 80، مادة (قذر). |
| ^19 | الصواب أن أم خالد بن الوليد لبابة الصغرى صحابية، وبه جزم الحافظ ابن حجر في الإصابة، 8/ 178. |
| ^20 | التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، 21/ 121. |
| ^21 | مسلم، كتاب الأشربة، باب استحباب إدارة الماء واللبن ونحوهما عن يمين المبتدئ، برقم 2030. |
| ^22 | عمدة القاري شرح صحيح البخاري، 19/ 9. |
| ^23 | شرح النووي على صحيح مسلم، 13/ 201. |
| ^24 | انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، 13/ 201. |
| ^25 | زاد المعاد في هدي خير العباد، 3/ 442. |
| ^26 | انظر: فتح الباري 10/ 87. |
| ^27 | البخاري، كتاب الأشربة، باب شرب اللبن، برقم 5610. |
| ^28, ^29 | التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، 21/ 123. |
| ^30 | البخاري، كتاب الوضوء، باب هل يمضمض من اللبن، برقم 211. |
| ^31 | تفسير الجزائري، ص894. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط