تخطى إلى المحتوى

96- أستغفر الله وأتوب إليه

toc كتاب حصن المسلم من أذكار الكتاب والسنة 241

أستغفر الله وأتوب إليه مئة مرةٍ في اليوم[1]رواه البخاري: 6307، ومسلم: 2702..

^1 رواه البخاري: 6307، ومسلم: 2702.

شرح مفردات الحديث:

  1. قوله: أستغفر اللَّه: الاستغفار هو طلب المغفرة، وهي الصفح عن الذنب وتبديله.
    قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله: «معناه: أطلبُ مغفرتَهُ، فهو كقولِهِ اللَّهُمَّ اغفرْ لِي، فالاستغفارُ التامُّ الموجبُ للمغفرةِ: هو ما قارنَ عدمَ الإصرارِ... وإن قالَ بلسانِهِ: أستغفرُ اللَّهَ، وهو غيرُ مقلع بقلبِهِ، فهو داع للَّه بالمغفرةِ، كما يقولُ: اللَّهُمَّ اغفر لي، وهو حسن، وقد يُرجَى له الإجابةُ»[1]تفسير ابن رجب الحنبلي، 1/ 152، وتقدم في شرح المفردة رقم 1 من مفردات حديث المتن رقم 66..
  2. قوله: وأتوب إليه أي: أحقق التوبة بشروطها الخمسة، وهي:
    • الندم على فعل المعصية.
    • الإقلاع عنها.
    • العزم على عدم العودة إليها.
    • الإخلاص في التوبة.
    • أن تكون في زمن التوبة أي: قبل الموت[2]يأتي بيان ذلك في أواخر هذا الكتاب، في الحديث رقم 248 من أحاديث المتن، وما بعده إن شاء الله..
    • وأن ترد الحقوق إلى أهلها، أو يطلب العفو منهم، ويرى الإمام ابن قدامة رحمه الله: أن مظالم العباد تكفَّر، فإن غصب الأموال تكفر بالتصدق بماله الحلال، ويكفر تناول أعراضهم بالثناء على أهل الدين، ويكفر قتل النفوس بالعتق، هذا فيما يتعلق بحق اللَّه تعالى، فإذا فعل ذلك، لم يكفه حتى يخرج من مظالم العباد، فإذا قتل خطأ أوصل الدية إلى مستحقيها، إما منه أو من عاقلته، وإن قتل عمدًا، وجب عليه القصاص بشروطه، فعليه أن يبذل نفسه لولي الدم، إن شاء قتله، وإن شاء عفا عنه، وإن زنا أو سرق أو شرب الخمر أو باشر ما يجب فيه حدٌّ للَّه تعالى؛ فإنه يستر نفسه، فإن رفع أمره إلى الوالي حتى أقام عليه الحدَّ خالف الأولى، وكان كفارة له، ولكن الأفضل أن يستتر بستر اللَّه مع التوبة النصوح، وأما المظالم المتعلقة بالأموال نحو الغصب والخيانة، والتلبيس في المعاملات، فيجب عليه رد ذلك إلى أصحابه، والخروج منه، وليؤدِّ إليهم حقوقهم ويستحلهم، فإن كثر ظلمه بحيث لا يقدر على أدائه، فليفعل ما يقدر عليه من ذلك، ويستكثر من الحسنات، لتؤخذ منه في القصاص يوم القيامة، فتوضع في موازين أرباب المظالم، فإنها إن تفي بذلك أخذ من سيئاتهم، فتوضع فوق سيئاته، وإن كان عنده أموال من شي من ذلك لم يعرف مالكه ولا ورثته تصدق به عنه، وإن اختلط الحلال بالحرام، عرف قدر الحرام بالاجتهاد وتصدق بمقداره، وإذا كانت الجناية على الأعراض، وإيذاء القلوب فعليه أن يطلب كل واحد منهم، وليستحله، وليعرفه قدر الجناية، فإن الاستحلال المبهم لا يكفي، وربما لو عرف ذلك لم تطب نفسه بالإحلال، إلا أن تكون تلك الجناية إذا ذكرت كثر الأذى، كنسبته إلى عيب من خفايا عيوبه، أو كزنا بجارته، فليجتهد في اللطف به والإحسان إليه، ثم ليستحله مبهمًا، ولا بد أن يبقى في مثل ذلك مظلمة تجبر بالحسنات يوم القيامة، وكذلك من مات من هؤلاء؛ فإنه يفوت أمره، ولا يتدارك إلا بكثير الحسنات، لتؤخذ منه عوضًا يوم القيامة، ولا خلاص إلا برجحان الحسنات[3]انظر: فتح الباري، لابن حجر، 11/ 100..
  3. قوله: في اليوم مائة مرة: أي: من نوى المائة قالها؛ فيكون بذلك ذكرًا مقيدًا، والحكمة في تحديد المائة يعلمها اللَّه تعالى وحده[4]تقدم في شرح المفردة رقم 3 من مفردات حديث المتن رقم 91..
  4. قوله: أكثر من سبعين مرة: جاء تفسير قوله: أكثر في رواية مسلم بأن ذلك مائة مرة[5]انظر: مختصر منهاج القاصدين، ص14.. قال القاضي عياض رحمه الله: «وهذا الحصر لهذه الأذكار لا دليلَ على أنها غايةٌ وحدٌّ لهذه الأجور»[6]إكمال المعلم بفوائد مسلم، 8/ 191..
  5. قوله: إنه ليغان على قلبي: قال ابن الأثير رحمه الله: أي: ليُغطَّى ويُغشى، والمراد به: السهو؛ لأنه كان لا يزال في مزيد من الذكر والقربة ودوام المراقبة، فإذا سها عن شيء منها في بعض الأوقات أو نسي عَدّهُ ذَنبًا على نفسه، ففزع إلى الاستغفار[7]انظر: جامع الأصول، 4/ 386..
  6. وقع الإشكال في وقوع الاستغفار والتوبة من النبي وهو معصوم؛ لأن هذا دليل على وقوع الذنب، وهذا لا إشكال فيه؛ لأنه قال ذلك على سبيل التواضع وتعليم الأمر، ثم إن هذا هو هدي الأنبياء من قبله، ألم يقل إبراهيم: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:128]؟ وهذا كليم اللَّه موسى  لما أفاق قال: سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [الأعراف:143].
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وقد ذكر الفقهاء والمفسّرون وجوهًا عديدةً في استغفاره منها: أنّه يراد به ما كان من سهوٍ أو غفلةٍ، أو أنّه لم يكن عن ذنبٍ، وإنّما كان لتعليم أمّته، ورأي السّبكيّ: أنّ استغفار النّبيّ لا يحتمل إلاّ وجهًا واحدًا، وهو: تشريفه من غير أن يكون ذنبٌ؛ لأنّه لا ينطق عن الهوى، وقد ثبت «أنّه كان يستغفر في اليوم الواحد سبعين مرّةً، ومائة مرّةٍ»، بل كان أصحابه يعدّون له في المجلس الواحد قبل أن يقوم: ربّ اغفر لي وتب عليّ إنّك أنت التّوّاب الغفور مائة مرّةٍ[8]أخرجه أبو داود، كتاب الوتر، باب في الاستغفار، برقم 1516، وابن ماجه، كتاب الأدب، باب فضل التسبيح، برقم 3814، … Continue reading»[9]أسباب رفع العقوبة لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص4..
    وقال في موضع آخر: «وَإِذَا عُرِفَ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِكَمَالِ النِّهَايَةِ، وَهَذَا الْكَمَالُ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ، وَلَا بُدَّ لِكُلِّ عَبْدٍ مِنْ التَّوْبَةِ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وكثير من النصوص فيها استغفار النبي ، وَنُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ مُتَظَاهِرَةٌ، وَالْآثَارُ فِي ذَلِكَ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَعُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ كَثِيرَةٌ. لَكِنِ الْمُنَازِعُونَ يَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ النُّصُوصَ مِنْ جِنْسِ تَأْوِيلَاتِ الْجَهْمِيَّةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ مَنْ صَنَّفَ فِي هَذَا الْبَابِ، وَهي مَعْلُومَةُ الْبُطْلَانِ كذنب آدَمَ  الذي تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ إلَى الْأَرْضِ، وَآدَمُ عِنْدَهُمْ مِنْ جُمْلَةِ مَوَارِدِ النِّزَاعِ، وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ ذَنْبُهُ عِنْدَ الْمُنَازِعِ فَإِنَّهُ نَبِيٌّ أَيْضًا، وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ذَنْبٌ يَقُولُ ذَلِكَ عَنْ آدَمَ وَمُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِمَا، وأَنَّ اللَّهَ لَا يَجْعَلُ الذَّنْبَ ذَنْبًا لِمَنْ لَمْ يَفْعَلْهُ، فَمِنْ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يُضَافَ إلَى مُحَمَّدٍ ذَنْبُ آدَمَ أَوْ أُمَّتِهِ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَلَوْ جَازَ هَذَا لَجَازَ أَنْ يُضَافَ إلَى مُحَمَّدٍ ذُنُوبُ الْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَخْتَصُّ آدَمُ بِإِضَافَةِ ذَنْبِهِ إلَى مُحَمَّدٍ، بَلْ تُجْعَلُ ذُنُوبُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ عَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ ذُنُوبًا لَهُ، فَإِنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَغْفِرْ ذُنُوبَ جَمِيعِ الْأُمَمِ، قِيلَ: وَهُوَ أَيْضًا لَمْ يَغْفِرْ ذُنُوبَ جَمِيعِ أُمَّتِهِ، وقَدْ مَيَّزَ بَيْنَ ذَنْبِهِ وَذُنُوبِ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [محمد:19]، فَكَيْفَ يَكُونُ ذَنْبُ الْمُؤْمِنِينَ ذَنْبًا لَهُ؟ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الرَّسُولَ وَالْمُؤْمِنِينَ عَلِمُوا أَنَّ قَوْلَهُ: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ [الفتح:2] مُخْتَصٌّ بِهِ دُونَ أُمَّتِهِ»[10]انظر: الفتاوى الكبرى، 5/ 271..

ما يستفاد من الحديث:

  1. جواز الحلف من غير استحلاف، وهذا يكون لبيان حقيقة الأمر وأهميته.
  2. حض الأمة على الإكثار من التوبة، والإنابة إلى اللَّه تعالى؛ لأن العبد لا ينفك إما عن وقوع في ذنب، أو تقصير في طاعة.
  3. التوبة من الذنوب واجبة على الفور؛ لأمر النبي بها حيث قال: يا أيها الناس توبوا إلى اللَّه[11]مسلم، برقم 2702، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن.، وفي ذلك فائدتان:
    • الامتثال لأمر اللَّه حيث قال: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31].
    • الاقتداء بالرسول في ذلك الأمر[12]انظر: شرح رياض الصالحين لابن عثيمين، شرح الحديث رقم 14.، حيث كان يُعلم الناس بالقول والفعل.
  4. تكفير الذنوب على قسمين:
    • المحو؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: وأتبع السيئة الحسنة تمحها[13]الترمذي، كتاب البر والصلة عن رسول اللَّه ، باب ما جاء في معاشرة الناس، برقم 1987، وصححه الألباني في المشكاة، … Continue reading، وهذا مقام العفو.
    • التبديل، ودليل ذلك قوله تعالى: فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان:70]، وهذا هو مقام المغفرة.
      ومن تأمل المقامين وجد فرقًا لطيفًا؛ لأن المغفرة فيها زيادة إحسان وتفضل على العفو، وكلاهما خير وبشرى[14]انظر: بهجة الناظرين شرح رياض الصالحين، لسليم الهلالي، حديث رقم 13..

^1 تفسير ابن رجب الحنبلي، 1/ 152، وتقدم في شرح المفردة رقم 1 من مفردات حديث المتن رقم 66.
^2 يأتي بيان ذلك في أواخر هذا الكتاب، في الحديث رقم 248 من أحاديث المتن، وما بعده إن شاء الله.
^3 انظر: فتح الباري، لابن حجر، 11/ 100.
^4 تقدم في شرح المفردة رقم 3 من مفردات حديث المتن رقم 91.
^5 انظر: مختصر منهاج القاصدين، ص14.
^6 إكمال المعلم بفوائد مسلم، 8/ 191.
^7 انظر: جامع الأصول، 4/ 386.
^8 أخرجه أبو داود، كتاب الوتر، باب في الاستغفار، برقم 1516، وابن ماجه، كتاب الأدب، باب فضل التسبيح، برقم 3814، والترمذي، كتاب الدعوات، باب ما يقول إذا قام من المجلس، برقم 3434، ومسند أحمد، 8/ 350، برقم 4726، وعند أبي داود، الرحيم بدل الغفور، وصحح إسناده محققو المسند، 8/ 350، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم 3486.
^9 أسباب رفع العقوبة لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص4.
^10 انظر: الفتاوى الكبرى، 5/ 271.
^11 مسلم، برقم 2702، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن.
^12 انظر: شرح رياض الصالحين لابن عثيمين، شرح الحديث رقم 14.
^13 الترمذي، كتاب البر والصلة عن رسول اللَّه ، باب ما جاء في معاشرة الناس، برقم 1987، وصححه الألباني في المشكاة، برقم 5083.
^14 انظر: بهجة الناظرين شرح رياض الصالحين، لسليم الهلالي، حديث رقم 13.