القارئ: حمد الدريهم
keyboard_arrow_down
أصبحنا على فطرة الإسلام[1]وإذا أمسى قال: أمسينا على فطرة الإسلام.، وعلى كلمة الإخلاص، وعلى دين نبينا محمدٍ ، وعلى ملة أبينا إبراهيم حنيفًا مُسلمًا، وما كان من المشركين[2]رواه النسائي في "السنن الكبرى": 9754، وأحمد: 15363 واللفظ له، وصححه الألباني في "السراج المنير": 7195..
جدول المحتويات
شرح مفردات الحديث:
- قوله: أصبحنا أي: دَخَلْنا «فِي الصَّبَاحِ... أَيْ أَصْبَحْنَا مُلْتَبِسِينَ بِحِفْظِكَ، أَوْ مَغْمُورِينَ بِنِعْمَتِكَ، أَوْ مُشْتَغِلِينَ بِذِكْرِكَ، أَوْ مُسْتَعِينِينَ بِاسْمِكَ، أَوْ مَشْمُولِينَ بِتَوْفِيَقِكَ، أَوْ مُتَحَرِّكِينَ بِحَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ، أَوْ مُتَقَلِّبِينَ بِإِرَادَتِكَ وقدرتك»[1]تحفة الأحوذي، 9/ 236، وتقدم الشرح مستوفى في شرح مفردات حديث المتن رقم 77، المفردة رقم 1..
- قوله: على فطرة الإسلام: أي: دين الإسلام الذي فطر اللَّه الناس عليه، والمتضمن لمعرفة اللَّه وتوحيده، والالتزام بشرائع الإسلام الظاهر منها والباطن؛ قال اللَّه : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [الروم:30].
وقال ابن الأثير رحمه الله: «فطرة الإسلام: الفطرة: ابتداء الخلقة، وهي إشارة إلى كلمة التوحيد حين أخذ اللَّه العهد بها على ذرية آدم، فقال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [الأعراف:172]، وقيل: الفطرة هاهنا: السنة»[2]جامع الأصول، 4/ 253..
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «الاستسلام للَّه دون ما سواه، فهو بفطرته لا يريد أن يعبد إلا اللَّه، فلا يطمئن قلبه ويحصل لذته وفرحه وسروره إلا بأن يكون اللَّه هو معبوده دون ما سواه، وكل معبود دون اللَّه يوجبُ الفساد، لا يَحْصُل به صلاح القلب وكماله وسعادته المقتضية لسروره ولذته وفرحه، وإذا لم يحصل هذا لا يبقى طالبًا لما يلتذ به، فيقع في المحرمات من الصُّوَر والشرب وأخذ المال وغير ذلك؛ ولهذا لَمَّا كانت امرأة العزيز مشركة طالبةً للفاحشةِ، ويوسف شابٌّ غريبٌ، فالداعي المطيع معه أقوى، لكن معه من الإيمان ما يَصدُّه عن ذلك، وتلك هي وقومها كانوا مشركين»[3]جامع المسائل لابن تيمية، 5/ 253.. - قوله: وعلى كلمة الإخلاص: هي كلمة التوحيد التي من أجلها خلق اللَّه الخلق، ومن أجلها أرسل اللَّه الرسل وأنزل الكتب، ومن أجلها انقسم الناس إلى فريقين: فريق في الجنة، وفريق في السعير.
وقال ابن الأثير رحمه الله: «كلمة الإخلاص: قول: لا إله إلا اللَّه»[4]جامع الأصول، 4/ 253..
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ، وَهِيَ الْبَرَاءَةُ مِنْ كُلِّ مَعْبُودٍ إلَّا مِنَ الْخَالِقِ الَّذِي فَطَرَنَا... وَنَبِيُّنَا هُوَ الَّذِي أَقَامَ اللَّهُ بِهِ الدِّينَ الْخَالِصَ لِلَّهِ: دِينَ التَّوْحِيدِ، وَقَمَعَ بِهِ الْمُشْرِكِينَ، مَنْ كَانَ مُشْرِكًا فِي الْأَصْلِ، وَمِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكُتُبِ»[5]مجموع الفتاوى، 10/ 52.. - قوله: وعلى دين نبينا محمد: أي: دين الإسلام الذي لا يقبل اللَّه من الناس غيره؛ لقوله تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:85]؛ لأنه تضمن إثبات التوحيد للَّه، ونفي الشريك والند والصاحب عنه .
قال الملا علي القاري رحمه الله: «وهو أخص مما قبله؛ لأن ملل الأنبياء كلهم تُسمَّى إسلامًا على الأشهر، لقوله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [آل عمران:19]؛ ولقول إبراهيم : أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [البقرة:131]؛ ولوصية يعقوب لبنيه: فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [البقرة:132]، قال التوربشتي: كذا في الحديث، وهو غير ممتنع، ولعله قال ذلك جهرًا ليسمعه غيره فيتعلم. أقول [القائل المُلَّا علي القاري]: لا وجه لقوله (لعل)؛ فإن الرواية متفرعة على السماع، وهو لا يتحقق إلا بالجهر»[6]مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، 8/ 292.. - قوله: وعلى ملة أبينا إبراهيم: وهي الحنيفية السمحة، قال القاري رحمه الله: «وعلى ملة أبينا إبراهيم، وهو أبو العرب؛ فإنهم من نسل إسماعيل، ففيه تغليب، أو الأنبياء بمنزلة الآباء؛ ولذا قال تعالى: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [الأحزاب:6]، وفي قراءة شاذة: وهو أبٌ لهم»[7]مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، 8/ 292..
- قوله: حنيفًا: الحنيف هو المائل عن الشرك إلى التوحيد؛ لأن أصل الحنف هو الميل، ومنه قولهم رجل أحنف أي: مائل القدمين بعضهما إلى بعض.
قال ابن الأثير رحمه الله: «حنفاء: أَيْ: طاهِري الأعْضاء مِنَ الْمَعَاصِي، لاَ أنَّه خَلَقهم كُلَّهم مُسْلِمين، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن:2]، وَقِيلَ: أَرَادَ أَنَّهُ خلَقهم حُنَفَاء مُؤْمِنِينَ لمَّا أخَذ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [الأعراف:172]، فَلَا يُوجَدُ أحَدٌ إِلَّا وَهُوَ مُقِرٌّ بِأَنَّ لَهُ رَبًّا وإنْ أشْرك بِهِ، واخْتَلَفوا فِيهِ. والحُنَفَاء جَمْعُ حَنِيف: وَهُوَ المَائِل إِلَى الإسْلام، الثَّابت عَلَيْهِ، والحَنِيف عِنْدَ الْعَرَبِ: مَنْ كَانَ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ ، وأصْل الحَنَفِ: المَيْلُ»[8]النهاية في غريب الحديث والأثر: 1/ 451، مادة (حنف)..
وقال ابن عبدالبر رحمه الله: «حنفاء: أَيْ سَالِمِينَ مِنْ آفَاتِ الْجَحْدِ وَالْإِنْكَارِ وَالْكُفْرِ، قَالُوا: فَلَا وَجْهَ لِإِنْكَارِ مَنْ أَنْكَرَ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى: حُنَفَاءَ مُسْلِمِينَ، قَالَ أَبُو عُمَرَ ابن عبدالبر: يَعْنِي -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- مُوَحِّدِينَ، لَا عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ فِي شَرِيعَتِهِ، بَلْ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ فِي نَفْيِ الشِّرْكِ، وَدَفْعِ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَكُلِّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُمْ بِالْإِسْلَامِ دِينِ إِبْرَاهِيمَ، وَشَرَعَ لَهُ مِنْهَاجًا ارْتَضَاهُ، لَيْسَ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ يَنْفِي دِينَ إِبْرَاهِيمَ، وَالْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ حُنَفَاءُ عَلَى الِاتِّسَاعِ... فَهَذَا قَدْ وَصَفَ الْحَنِيفِيَّةَ بِالْإِسْلَامِ بِإِسْنَادٍ، قَدْ قِيلَ: الْحَنِيفُ مَنْ كَانَ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ سُمِّيَ مَنْ كَانَ يَخْتَتِنُ وَيَحُجُّ الْبَيْتَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ حَنِيفًا، وَالْحَنِيفُ الْيَوْمَ: الْمُسْلِمُ، وَيُقَالُ: إِنَّمَا سُمِّيَ إِبْرَاهِيمُ حَنِيفًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ حَنَفَ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ أَبُوهُ وَأُمُّهُ مِنَ الْآلِهَةِ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، أَيْ: عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ وَمَالَ، وَأَصْلُ الْحَنَفِ: مَيْلٌ مِنْ إِبْهَامَيِ الْقَدَمَيْنِ كُلُّ وَاحِدَةٍ عَلَى صَاحِبَتِهَا»[9]الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار، 8/ 382.. - قوله: مسلمًا: قال الراغب الأصفهاني رحمه الله: «والمسلم المطيع والمستسلم للحق، وهذا من الأسماء التي يتخصص بها كل ذي حق، ولهذا قال: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [آل عمران:19]، واليهود منسوب إلى يهودا، والنصارى إلى ناصرة، وهما نسبتان حصلتا بعد إبراهيم، فكذبوا في نسبته إليهما، ثم المسلمون موافقون لإِبراهيم في كثير من الأحكام: كحج البيت، والختان، والمضمضة، وغير ذلك، وهم يخالفونه في أكثر ذلك»[10]تفسير الراغب الأصفهاني ومقدمته، 2/ 618..
- قوله: وما كان من المشركين أي: أن إبراهيم قد حقق التوحيد المتضمن لنفي الشرك، قال العلامة السعدي: أي: أن «اللَّه تعالى برأ خليله من اليهود والنصارى والمشركين، وجعله حنيفًا مسلمًا»[11]تفسير السعدي، ص134..
ما يستفاد من الحديث:
- من توفيق اللَّه لعبده أن يفتتح المسلم يومه بإعلان التوحيد المتضمن لأقسامه الثلاثة، وهي:
- الأول: توحيد الربوبية: وذلك بالاعتقاد الجازم واليقين الراسخ أن اللَّه وحده هو الرب المنفرد بالخلق والرزق والملك والتدبير والإحياء والإماتة، وغير ذلك من لوازم الربوبية.
- الثاني: توحيد الإلهية، والذي يسمى بتوحيد العبادة الذي هو: إفراد اللَّه بجميع أنواع العبادات، من نيات القلوب، وأقوال الألسن، وأعمال الجوارح، فعلًا وتركًا؛ رغبةً في ثوابه، وخوفًا من عقابه.
- الثالث: توحيد الأسماء والصفات: وذلك بإثبات ما أثبته اللَّه لنفسه، وكذلك ما صح عن نبيه من جميع الأسماء والصفات، على الوجه اللائق به ، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل ولا نفي لهذه الصفات[12]انظر: «المفيد على كتاب التوحيد» للشيخ محمد بن عبدالوهاب، وما قاله الشيخ عبداللَّه القصير، ص13- 15..
- خلق اللَّه الناس جميعًا على الفطرة السوية، ولكن الشياطين أفسدت الكثير من هذه الفطر؛ قال الرسول في الحديث القدسي: إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم الحديث[13]مسلم، برقم 2865..
- اقتداء الرسول بالأنبياء من قبله امتثالًا لأمر اللَّه: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام:90]، وإنما خص إبراهيم بذلك؛ لأن اللَّه أثنى عليه ثناء جليًّا بقوله : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل:120]، فجمع اللَّه تعالى لإبراهيم في هذه الآية من الصفات ما جعله إمامًا في التوحيد، ولأنه كان في زمان ومكان لا يستقيم على التوحيد فيهما غيره، وثناء اللَّه على عبد من عباده حثٌّ على الاقتداء به.
- من الأمور التي تعين العبد على تحقيق التوحيد الأمور الآتية:
- العلم به، وهو: معرفة حقيقته، وكيفية تحقيقه، أي: التوحيد الخالص، قال اللَّه : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19].
- اعتقاده؛ لأن العلم به لا يغني عن اعتقاده، ويدخل في ذلك أعمال القلوب: كالمحبة، والخشية، والإنابة، والرغبة، والرهبة، وتجريد ذلك للَّه.
- الانقياد لهذا التوحيد، وعدم التكبر عليه؛ قال اللَّه تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ [الصافات:35].
| ^1 | تحفة الأحوذي، 9/ 236، وتقدم الشرح مستوفى في شرح مفردات حديث المتن رقم 77، المفردة رقم 1. |
|---|---|
| ^2, ^4 | جامع الأصول، 4/ 253. |
| ^3 | جامع المسائل لابن تيمية، 5/ 253. |
| ^5 | مجموع الفتاوى، 10/ 52. |
| ^6, ^7 | مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، 8/ 292. |
| ^8 | النهاية في غريب الحديث والأثر: 1/ 451، مادة (حنف). |
| ^9 | الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار، 8/ 382. |
| ^10 | تفسير الراغب الأصفهاني ومقدمته، 2/ 618. |
| ^11 | تفسير السعدي، ص134. |
| ^12 | انظر: «المفيد على كتاب التوحيد» للشيخ محمد بن عبدالوهاب، وما قاله الشيخ عبداللَّه القصير، ص13- 15. |
| ^13 | مسلم، برقم 2865. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط