تخطى إلى المحتوى

188- إذا عطس أحدُكم فليقل

toc كتاب حصن المسلم من أذكار الكتاب والسنة 262

إذا عَطَسَ أحدُكم فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه أو صاحبُه: يرحمُك الله، فإذا قال له: يرحمُك الله، فليقل: يهديكم الله، ويُصْلِحُ بالكم[1]رواه البخاري: 6224..

^1 رواه البخاري: 6224.

شرح مفردات الحديث:

  1. قوله: إذا عطس أحدكم: أي: منكم يا أمة الإسلام. قال ابن منظور رحمه الله: «عَطَسَ الرَّجُلُ يَعْطِس -بِالْكَسْرِ- ويَعْطُس... يَكُونُ مَعَ خِفَّةِ الْبَدَنِ وَانْفِتَاحِ المسامِّ وَتَيْسِيرِ الْحَرَكَاتِ، وَالتَّثَاؤُبِ بِخِلَافِهِ، وَسَبَبُ هَذِهِ الأَوصاف تخفيفُ الْغِذَاءِ والإِقلال مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، والمَعْطِس والمَعْطَس: الأَنف؛ لأَن العُطاس مِنْهُ يَخْرُجُ»[1]لسان العرب، 6/ 142..
    وقال الطيبي رحمه الله: «التثاؤب بالهمزة: التنفس الذي ينفتح منه الفم، وهو إنما ينشأ من الامتلاء وثقل النفس، ولدورة الحواس، ويورث الغفلة والكسل وسوء الفهم، ولذلك كرهه اللَّه تعالى، وأحبه الشيطان وضحك منه، والعطاس لمَّا كان سببًا لخفة الدماغ، واستفراغ الفضلات عنه، وصفاء الروح، وتقوية الحواس، كان أمره بالعكس»[2]شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 10/ 3077..
  2. قوله: فليقل: الحمد للَّه: على هذه النعمة. قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «الحمد هو: الإخبار بمحاسن المحمود على وجه المحبة له»[3]بدائع الفوائد، 2/ 537، وانظرها بتفصيل أكثر في شرح مفردات الحديث رقم 2 من أحاديث المتن، في المفردة رقم 4 والمفردة … Continue reading.
    وقال الطيبي رحمه الله: «الحمد: الثناء على قدرته... فيشكر على ما أولى العباد بسبب الانتقال من النعم الدينية والدنيوية ما لا يحصى»[4]شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 6/ 1909، وتقدم مستوفى في شرح المفردة الثانية من حديث المتن رقم 108..
    وقال النووي رحمه الله: «وَقَوْله: الْحَمْد لِلَّهِ: فِيهِ اسْتِحْبَاب حَمْد اللَّه عِنْد تَجَدُّد النِّعَم، وَحُصُول مَا كَانَ الْإِنْسَان يَتَوَقَّع حُصُوله، وَانْدِفَاع مَا كَانَ يَخَاف وُقُوعه»[5]شرح النووي على صحيح مسلم، 13/ 182..
  3. قوله: وليَقُل لَهُ أَخُوهُ أَو صاحِبه: قال ابن حجر رحمه الله: «هُو شَكٌّ مِنَ الرّاوِي، وكَذا وقَعَ لِلأَكثَرِ مِن رِوايَة عاصِم بن عَلِيّ: فَليَقُل لَهُ أَخُوهُ، ولَم يَشُكّ، والمُراد بِالأُخُوَّةِ أُخُوَّة الإِسلام»[6]فتح الباري، 10/ 608..
  4. قوله: يرحمك اللَّه: دعاء بالرحمة وتبشير له، كقولك: طهور إن شاء اللَّه. قال ابن حجر رحمه الله: «قَوله: يَرحَمك اللَّه: قالَ ابن دَقِيق العِيد رحمه الله: يَحتَمِل أَن يَكُون دُعاء بِالرَّحمَةِ، ويَحتَمِل أَن يَكُون إِخبارًا عَلَى طَرِيق البِشارَة، كَما قالَ فِي الحَدِيث الآخَر: طَهُور إِن شاءَ اللَّه[7]انظر الحديث رقم 147 من أحاديث المتن.، أي: هِيَ طُهر لَك؛ فَكَأَنَّ المُشَمِّت بَشَّرَ العاطِس بِحُصُولِ الرَّحمَة لَهُ فِي المُستَقبَل بِسَبَبِ حُصُولها لَهُ فِي الحال؛ لِكَونِها دَفَعَت ما يَضُرّهُ. قالَ: وهَذا يَنبَنِي عَلَى قاعِدَة، وهِيَ أَنَّ اللَّفظ إِذا أُرِيدَ بِهِ مَعناهُ لَم يَنصَرِف لِغَيرِهِ، وإِن أُرِيدَ بِهِ مَعنًى يَحتَمِلهُ انصَرَفَ إِلَيهِ، وإِن أُطلِقَ انصَرَفَ إِلَى الغالِب، وإِن لَم يَستَحضِر القائِل المَعنَى الغالِب.
    وقالَ ابن بَطّال: ذَهَبَ إِلَى هَذا قَوم، فَقالُوا: يَقُول لَهُ: «يَرحَمك اللَّه»، يَخُصّهُ بِالدُّعاءِ وحده، وقَد أَخرَجَ البَيهَقِيُّ فِي الشُّعَب، وصَحَّحَهُ ابن حِبّان مِن طَرِيق حَفص بن عاصِم، عَن أَبِي هُرَيرَة رَفَعَهُ: لَمّا خَلَقَ اللَّه آدَم عَطَسَ، فَأَلهَمَهُ رَبُّهُ أَن قالَ: الحَمد لِلَّهِ، فَقالَ لَهُ رَبّه: يَرحَمك الله[8]ابن حبان، 6/ 421، برقم 2080، وحسنه محققه، والبيهقي، 7/ 23، وابن عساكر، 7/ 384.»[9]فتح الباري، 10/ 608..
    وقال المناوي رحمه الله: «فمعنى رحمك اللَّه: أعطاك رحمة ترجع بها إلى حالك الأول، أو يرجع بها كل عضو إلى سمته»[10]فيض القدير شرح الجامع الصغير، 1/ 163..
  5. قوله: يهديكم اللَّه، أي: يدلك على صراطه المستقيم واتباع سنة سيد المرسلين . قال المناوي رحمه الله: «يهديكم الله ويصلح بالكم: أي: حالكم، واختير الجمع ورُجِّح، واعتُرض بأن الدعاء بالهداية للمسلم تحصيل الحاصل، وهو محال، ومُنع بأنه ليس المراد بالدعاء وبالهداية ما متلبس به من الإيمان، بل معرفة تفاصيل أجزائه، وإعانته على أعماله، وكل مؤمن يحتاج إلى ذلك في كل طرفة عين، ومن ثَمَّ أمر اللَّه أن نسأله الهداية في كل ركعة من الصلاة»[11]فيض القدير شرح الجامع الصغير، 1/ 517..
  6. قوله: يصلح بالكم، أي: حالكم وأموركم، وذلك بصلاح القلب، واستقامة الجوارح على طاعة اللَّه واتباع رسوله محمد . قال القاري رحمه الله: «أي: شأنكم وحالكم؛ لأنه إذا دعا له بالرحمة شرع في حقه دعاء بالخير له؛ تأليفًا للقلوب. ولفظ العموم خرج مخرج الغالب؛ فإن العاطس قلما يخلو عند عطاسه عن أصحابه، أو هو إشارة إلى تعظيمه واحترامه في الدعاء، أو إلى أمة محمد كلهم»[12]مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، 14/ 4..
    وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: «أي: يصلح شأنكم، فتدعو له بالهداية وإصلاح الشأن»[13]شرح رياض الصالحين، لابن عثيمين، شرح الحديث رقم 881..

ما يستفاد من الحديث:

  1. العطاس من النعم التي تستوجب الحمد وذلك لأمرين:
    • الأمر الأول: أنه يخرج الأبخرة المحتقنة في الدماغ، التي لو بقيت لأحدثت أدواء عسيرة.
    • الأمر الثاني: بقاء الأعضاء على هيئتها والتئامها بعد هذه الزلزلة القوية التي حدثت للبدن[14]انظر زاد المعاد لابن القيم، 2/ 348- 349..
  2. تشميت العاطس حق متبادل بين أهل الإسلام؛ لقول النبي : حق المسلم على المسلم ست، وفيه: وإذا عطس وحمد اللَّه فيشمته[15]أخرجه مسلم، كتاب السلام، باب من حق المسلم للمسلم رد السلام، برقم 2162، بلفظ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ … Continue reading. ومفهومه أنه لا يشمت إلا من حمد اللَّه، وعلى كل من سمعه أن يشمته؛ لقول النبي : وإذا عطس أحدكم وحمد اللَّه، كان حقًّا على كل مسلم سمعه أن يقول: يرحمك اللَّه[16]البخاري، كتاب الأدب، باب إذا تثاءب فليضع يده على فيه، برقم 6226..
  3. قال الإمام النووي رحمه الله: «قَالَ الْقَاضِي: وَالْمَشْهُور مِنْ مَذْهَب مَالِك أَنَّهُ فَرْض كِفَايَة. قَالَ: وَبِهِ قَالَ جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء كَرَدِّ السَّلَام، وَمَذْهَب الشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه وَآخَرِينَ أَنَّهُ سُنَّة وَأَدَب وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَيَحْمِلُونَ الْحَدِيث عَلى النَّدْب وَالْأَدَب، كَقَوْلِهِ : حَقٌّ عَلَى كُلّ مُسْلِم أَنْ يَغْتَسِل فِي كُلّ سَبْعَة أَيَّام[17]البخاري، كتاب الجمعة، باب هل على من لم يشهد الجمعة غسل، برقم 897، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الطب … Continue reading.
  4. قَالَ الْقَاضِي: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي كَيْفِيَّة الْحَمْد وَالرَّدّ، وَاخْتَلَفَتْ فِيهِ الْآثَار، فَقِيلَ: يَقُول: الْحَمْد لِلَّهِ، وَقِيلَ: الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ، وَقِيلَ: الْحَمْد لِلَّهِ عَلَى كُلّ حَال، وَقَالَ ابْن جَرِير: هُوَ مُخَيَّر بَيْن هَذَا كُلّه، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ مَأْمُور بِالْحَمْدِ لِلَّهِ»[18]شرح النووي على مسلم، 18/ 121..
  5. العطاس من الأمور التي يحبها اللَّه، وذلك لما فيه من النفع والخير، ولما يترتب عليه من الحمد له والثناء عليه ودعائه ، وهذا بخلاف التثاؤب الذي هو من الشيطان. قال النبي : إن اللَّه يحب العطاس ويكره التثاؤب[19]البخاري، كتاب الأدب، باب ما يستحب من العطاس وما يكره من التثاؤب، برقم 6223..
  6. يسن للعاطس خفض الصوت حتى لا يزعج من حوله؛ لقول أبي هريرة : «كان رسول اللَّه إذا عطس وضع يده أو ثوبه على فيه، وخفض أو غض صوته»[20]مسند أحمد، 15/ 412، برقم 9662، وأبو داود، كتاب الأدب، باب كيف تشميت العاطس، برقم 5032، وقوى إسناده محققو المسند، … Continue reading.
  7. قالَ ابن دَقِيق العِيد رحمه الله: «ظاهِر الحَدِيث أَنَّ السُّنَّة لا تَتَأَدَّى إِلَّا بِالمُخاطَبَةِ، وأَمّا ما اعتادَهُ كَثِير مِنَ النّاس مِن قَولهم لِلرَّئِيسِ: يَرحَم اللَّه سَيِّدنا، فَخِلاف السُّنَّة، وبَلَغَنِي عَن بَعض الفُضَلاء أَنَّهُ شَمَّتَ رَئِيسًا فَقالَ لَهُ: يَرحَمك اللَّه يا سَيِّدنا، فَجَمَعَ الأَمرَينِ، وهُو حَسَن»[21]فتح الباري، 10/ 609..
  8. التشميت ثلاث مرات، وما زاد فهو زكام، ويقال لصاحبه: «الرجل مزكوم»؛ لقوله : شمت أخاك ثلاثًا، فما زاد إنما هو نزلة أو زكام[22]الدعاء للطبراني، ص556، برقم 2000، والديلمي في الفردوس بمأثور الخطاب، 2/ 355، وحسنه الألباني في صحيح الجامع، برقم … Continue reading.
    قال ابن القيم رحمه الله: وقوله: الرجل مزكوم[23]مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب تشميت العاطس وكراهة التثاؤب، برقم 2993. تنبيه على الدعاء له بالعافية؛ لأن الزكمة علة، فعلى صاحبها أن يتداركها ولا يهمدها فيصعب أمرها، فكلامه كله حكمة ورحمة وعلم وهدى[24]زاد المعاد، 2/ 441..
    قال الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله: «وَفِي الْبَابِ حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ: إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيُشَمِّتْهُ جَلِيسُهُ، فَإِنْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ فَهُوَ مَزْكُومٌ، وَلَا تُشَمِّتْهُ بَعْدَ الثَّلَاثِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ هُوَ حَدِيثُ أبي داود[25]أبو داود، كتاب الأدب، باب كيف تشميت العاطس، برقم 5034، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم 1330. الَّذِي قَالَ فِيهِ: رَوَاهُ أبو نعيم، عَنْ موسى بن قيس، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سعيد، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. فَإِنْ قِيلَ: إِذَا كَانَ بَهْ زُكَامٌ، فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يُدْعَى لَهُ مِمَّنْ لَا عِلَّةَ بِهِ، قِيلَ: يُدْعَى لَهُ كَمَا يُدْعَى لِلْمَرِيضِ وَمَنْ بِهِ دَاءٌ وَوَجَعٌ، وَأَمَّا سُنَّةُ الْعُطَاسِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ وَهُوَ نِعْمَةٌ وَيَدُلُّ عَلَى خِفَّةِ الْبَدَنِ وَخُرُوجِ الْأَبْخِرَةِ الْمُحْتَقِنَةِ، فَإِنَّمَا يَكُونُ إِلَى تَمَامِ الثَّلَاثِ، وَمَا زَادَ عَلَيْهَا يُدْعَى لِصَاحِبِهِ بِالْعَافِيَةِ، وَقَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: الرَّجُلُ مَزْكُومٌ تَنْبِيهٌ عَلَى الدُّعَاءِ لَهُ بِالْعَافِيَةِ؛ لِأَنَّ الزَّكْمَةَ عِلَّةٌ، وَفِيهِ اعْتِذَارٌ مِنْ تَرْكِ تَشْمِيتِهِ بَعْدَ الثَّلَاثِ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ لَهُ عَلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ لِيَتَدَارَكَهَا وَلَا يُهْمِلَهَا فَيَصْعُبَ أَمْرُهَا، فَكَلَامُهُ كُلُّهُ حِكْمَةٌ وَرَحْمَةٌ وَعِلْمٌ وَهُدًى»[26]زاد المعاد في هدي خير العباد، 2/ 403..
    وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «الثّالِث: المَزكُوم إِذا تَكَرَّرَ مِنهُ العُطاس فَزادَ عَلَى الثَّلاث؛ فَإِنَّ ظاهِر الأَمر بِالتَّشمِيتِ يَشمَل مَن عَطَسَ واحِدَة أَو أَكثَر، لَكِن أَخرَجَ البُخارِيّ فِي الأَدَب المُفرَد مِن طَرِيق مُحَمَّد بن عَجلانَ عَن سَعِيد المَقبُرِيِّ عَن أَبِي هُرَيرَة قالَ: «يُشَمِّتهُ واحِدَة وثِنتَينِ وثَلاثًا، وما كانَ بَعد ذَلِكَ فَهُو زُكام»[27]الأدب المفرد للبخاري، برقم 939، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد، برقم 722.، هَكَذا أَخرَجَهُ مَوقُوفًا مِن رِوايَة سُفيان بن عُيَينَةَ عَنهُ... وسَمِعَ النَّبِيّ وعَطَسَ عِندَهُ رَجُل فَقالَ لَهُ: يَرحَمك اللَّه، ثُمَّ عَطَسَ أُخرَى فَقالَ لَهُ رَسُول اللَّه : الرَّجُل مَزكُوم. هَذا لَفظ رِوايَة مُسلِم، وأَمّا أَبُو داوُدَ والتِّرمِذِيّ فَقالا: قالَ سَلَمَة: عَطَسَ رَجُل عِندَ النَّبِيّ وأَنا شاهِد، فَقالَ لَهُ رَسُول اللَّه : يَرحَمك اللَّه، ثُمَّ عَطَسَ الثّانِيَة أَو الثّالِثَة فَقالَ رَسُول اللَّه: يَرحَمك اللَّه، هَذا رَجُل مَزكُوم، انتهى... ويُستَفاد مِنهُ مَشرُوعِيَّة تَشمِيت العاطِس ما لَم يَزِد عَلَى ثَلاث إِذا حَمِدَ اللَّه، سَواء تَتابَعَ عُطاسه أَم لا، فَلَو تَتابَعَ ولَم يَحمَد لِغَلَبَةِ العُطاس عَلَيهِ، ثُمَّ كَرَّرَ الحَمد بِعَدَدِ العُطاس، فَهَل يُشَمَّت بِعَدَدِ الحَمد؟ فِيهِ نَظَرٌ، وظاهِر الخَبَر نَعَم.
    ثُمَّ حَكَى النَّووِيّ عَن ابنِ العَرَبِيّ أَنَّ العُلَماء اختَلَفُوا: هَل يَقُول لِمَن تَتابَعَ عُطاسه أَنتَ مَزكُوم فِي الثّانِيَة أَو الثّالِثَة أَو الرّابِعَة؟ عَلَى أَقوال، والصَّحِيح فِي الثّالِثَة، قالَ: ومَعناهُ إِنَّك لَست مِمَّن يُشَمَّت بَعدها؛ لأَنَّ الَّذِي بِك مَرَض، ولَيسَ مِنَ العُطاس المَحمُود النّاشِئ عَن خِفَّة البَدَنِ، كَما سَيَأتِي تَقرِيره فِي الباب الَّذِي يَلِيه. قالَ: فَإِن قِيلَ: فَإِذا كانَ مَرَضًا فَيَنبَغِي أَن يُشَمَّت بِطَرِيقِ الأَولَى؛ لأَنَّهُ أَحوج إِلَى الدُّعاء مِن غَيره، قُلنا: نَعَم، لَكِن يُدعَى لَهُ بِدُعاءٍ يُلائِمهُ لا بِالدُّعاءِ المَشرُوع لِلعاطِسِ، بَل مِن جِنس دُعاء المُسلِم لِلمُسلِمِ بِالعافِيَةِ.
    وذَكَرَ ابن دَقِيق العِيد عَن بَعض الشّافِعِيَّة أَنَّهُ قالَ: يُكَرَّر التَّشمِيت إِذا تَكَرَّرَ العُطاس، إِلَّا أَن يُعرَف أَنَّهُ مَزكُوم فَيَدعُو لَهُ بِالشِّفاءِ. قالَ: وتَقرِيره أَنَّ العُمُوم يَقتَضِي التَّكرار إِلَّا فِي مَوضِع العِلَّة، وهُو الزُّكام. قالَ: وعِندَ هَذا يَسقُط الأَمر بِالتَّشمِيتِ عِندَ العِلم بِالزُّكامِ؛ لأَنَّ التَّعلِيل بِهِ يَقتَضِي أَن لا يُشَمَّت مَن عُلِمَ أَنَّ بِهِ زُكامًا أَصلًا، وتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ المَذكُور هُو العِلَّة دُون التَّعلِيل، ولَيسَ المُعَلَّل هُو مُطلَق التَّرك لِيَعُمّ الحُكم عَلَيهِ بِعُمُومِ عِلَّته، بَل المُعَلَّل هُو التَّرك بَعد التَّكرِير، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: لا يَلزَم تَكَرُّر التَّشمِيت؛ لأَنَّهُ مَزكُوم. قالَ: ويَتَأَيَّد بِمُناسَبَةِ المَشَقَّة النّاشِئَة عَن التَّكرار»[28]فتح الباري، 10/ 604..
    وقال الإمام الصنعاني رحمه الله: «فلا يشرع تشميته، بل يُدعى له بالعافية، حكى النووي عن ابن العربي أنه اختلف: هل يقال لمن تتابع عطاسه أنت مزكوم في الثانية أو الثالثة أو الرابعة؟ الصحيح في الثالثة»[29]التنوير شرح الجامع الصغير، 6/ 516..
  9. قال الحافظ في الفتح: قال القزاز: التشميت: التبريك، والعرب تقول: شمته: إذا دعا له بالبركة، وشمت عليه: إذا برك عليه. وقيل: هو من الشماتة، وهو فرح الشخص بما يسوء عدوه. وقيل: هو من الشوامت جمع شامتة، وهي القائمة، يقال: لا ترك اللَّه لك شامتة[30]انظر: فتح الباري، 10/ 702..
  10. قال ابن عثيمين رحمه الله: والعطاس يدل على الخفة والنشاط؛ ولذلك كان محبوبًا إلى اللَّه، وشرع للعاطس أن يقول: الحمد للَّه، سواء كان في الصلاة أو خارج الصلاة، أما إن عطس في الخلاء فلا يحمد بلسانه، ولكن يحمد بقلبه[31]شرح رياض الصالحين، شرح الحديث رقم 879، وانظر: صحيح مسلم، برقم 1199..
  11. على العاطس والمشمت أن يلتزما بما جاء به الشرع من الأذكار الصحيحة، فللعاطس أن يقول: الحمد لله[32]البخاري، برقم 6224، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن.، وله أن يقول: الحمد لله على كل حال[33]صحيح الترمذي، برقم 2200، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن.، وله أن يقول: الحمد للَّه رب العالمين[34]البخاري في الأدب المفرد، برقم 972، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن..
  12. قال ابن دقيق العيد رحمه الله: ومن فوائد التشميت: تحصيل المودة والتأليف بين المسلمين، وتأديب العاطس بكسر النفس عن الكبر، والحمل على التواضع؛ لما في ذكر الرحمة من الإشعار بالذنب الذي لا يعرى عنه أكثر المكلفين[35]فتح الباري، 10/ 703..
  13. قال الزرقاني رحمه الله: «رجح الجمع بين الدعاء بالرحمة ويهديكم اللَّه... إلخ، واعترض بأن الدعاء بالهداية للمسلم تحصيل الحاصل، وهو محال، ومنع بأنه ليس المراد الدعاء بالهداية للإيمان المتلبس به، بل معرفة تفاصيل أجزائه، وإعانته على أعماله، وكل مؤمن يحتاج ذلك في كل طرفة عين، ومن ثم أمره اللَّه أن يسأل الهداية في كل ركعة من الصلاة: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ»[36]شرح الزرقاني، 4/ 467..
  14. خلاف التنوع في ألفاظ دعاء العطاس: ثبت ثلاثة أنواع للمسلم أن ينوع بينها، وهي على النحو الآتي:
    • النوع الأول: الحمد للَّه[37]البخاري، برقم 6224، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن.، وإذا قيل له: يرحمك اللَّه، قال: يهديكم اللَّه، ويصلح بالكم.
    • النوع الثاني: الحمد للَّه رب العالمين[38]البخاري في الأدب المفرد، برقم 934، وأحمد، برقم 972، وحسنه لغيره محققو المسند، والألباني في صحيح الأدب المفرد … Continue reading، وإذا قيل له: يرحمك اللَّه، قال: يغفر اللَّه لي ولكم.
    • النوع الثالث: الحمد للَّه على كل حال[39]الترمذي، برقم 2741، وجوّد إسناده الألباني في تخريجه للمشكاة، برقم 4339، وصححه في صحيح الترمذي، 3/ 94، وتقدم تخريجه … Continue reading، وإذا قيل له: يرحمك اللَّه، قال: يهديكم اللَّه، ويصلح بالكم.
  15. التثاؤب لا يحبه اللَّه؛ لأنه غالبًا لا يكون إلا مع ثقل البدن وامتلائه وميله إلى الكسل، وله آداب نبوية مباركة؛ منها:
    • رده ما استطاع مع عدم قول: «ها».
    • عدم فتح فمه أثناء التثاؤب.
    • يجعل يده على فمه، حتى لا يدخل الشيطان ولا يضحك.

^1 لسان العرب، 6/ 142.
^2 شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 10/ 3077.
^3 بدائع الفوائد، 2/ 537، وانظرها بتفصيل أكثر في شرح مفردات الحديث رقم 2 من أحاديث المتن، في المفردة رقم 4 والمفردة رقم 7.
^4 شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 6/ 1909، وتقدم مستوفى في شرح المفردة الثانية من حديث المتن رقم 108.
^5 شرح النووي على صحيح مسلم، 13/ 182.
^6, ^9 فتح الباري، 10/ 608.
^7 انظر الحديث رقم 147 من أحاديث المتن.
^8 ابن حبان، 6/ 421، برقم 2080، وحسنه محققه، والبيهقي، 7/ 23، وابن عساكر، 7/ 384.
^10 فيض القدير شرح الجامع الصغير، 1/ 163.
^11 فيض القدير شرح الجامع الصغير، 1/ 517.
^12 مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، 14/ 4.
^13 شرح رياض الصالحين، لابن عثيمين، شرح الحديث رقم 881.
^14 انظر زاد المعاد لابن القيم، 2/ 348- 349.
^15 أخرجه مسلم، كتاب السلام، باب من حق المسلم للمسلم رد السلام، برقم 2162، بلفظ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ، قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَسَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ، وأحمد في المسند، 14/ 439، برقم 8845.
^16 البخاري، كتاب الأدب، باب إذا تثاءب فليضع يده على فيه، برقم 6226.
^17 البخاري، كتاب الجمعة، باب هل على من لم يشهد الجمعة غسل، برقم 897، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الطب والسواك يوم الجمعة، برقم 849.
^18 شرح النووي على مسلم، 18/ 121.
^19 البخاري، كتاب الأدب، باب ما يستحب من العطاس وما يكره من التثاؤب، برقم 6223.
^20 مسند أحمد، 15/ 412، برقم 9662، وأبو داود، كتاب الأدب، باب كيف تشميت العاطس، برقم 5032، وقوى إسناده محققو المسند، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم 4755.
^21 فتح الباري، 10/ 609.
^22 الدعاء للطبراني، ص556، برقم 2000، والديلمي في الفردوس بمأثور الخطاب، 2/ 355، وحسنه الألباني في صحيح الجامع، برقم 3715.
^23 مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب تشميت العاطس وكراهة التثاؤب، برقم 2993.
^24 زاد المعاد، 2/ 441.
^25 أبو داود، كتاب الأدب، باب كيف تشميت العاطس، برقم 5034، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم 1330.
^26 زاد المعاد في هدي خير العباد، 2/ 403.
^27 الأدب المفرد للبخاري، برقم 939، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد، برقم 722.
^28 فتح الباري، 10/ 604.
^29 التنوير شرح الجامع الصغير، 6/ 516.
^30 انظر: فتح الباري، 10/ 702.
^31 شرح رياض الصالحين، شرح الحديث رقم 879، وانظر: صحيح مسلم، برقم 1199.
^32, ^37 البخاري، برقم 6224، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن.
^33 صحيح الترمذي، برقم 2200، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن.
^34 البخاري في الأدب المفرد، برقم 972، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن.
^35 فتح الباري، 10/ 703.
^36 شرح الزرقاني، 4/ 467.
^38 البخاري في الأدب المفرد، برقم 934، وأحمد، برقم 972، وحسنه لغيره محققو المسند، والألباني في صحيح الأدب المفرد موقوفًا، برقم 934، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن.
^39 الترمذي، برقم 2741، وجوّد إسناده الألباني في تخريجه للمشكاة، برقم 4339، وصححه في صحيح الترمذي، 3/ 94، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن.