القارئ: حمد الدريهم
keyboard_arrow_down
قال : إذا كان أحدكم مادحًا صاحبه لا محالةَ، فليقل: أَحْسِبُ فلانًا واللهُ حسيبُه، ولا أُزَكِّي على الله أحدًا، أَحْسِبُه -إن كان يعلم ذاك- كذا وكذا[1]رواه البخاري: 2662، ومسلم: 3000 واللفظ له..
| ^1 | رواه البخاري: 2662، ومسلم: 3000 واللفظ له. |
|---|
جدول المحتويات
شرح مفردات الحديث:
- قوله: إذا كان أحدكم مادحًا: مدح: المدح هو المبالغة في الثناء، وقال ابن منظور رحمه الله: «المَدْح نقيض الهجاءِ، وهو حُسْنُ الثناءِ... ومَدَح الشاعرُ وامْتَدَح، وتَمَدَّح الرجل بما ليس عنده: تَشَبَّع وافتخر، ويقال: فلان يَتَمَدَّحُ: إِذا كان يُقَرِّظُ نفسه ويثني عليها، والمَمادِحُ ضدّ المَقابح»[1]لسان العرب، 2/ 589، مادة (مدح)..
- قوله: «ويثني»: قال الفيومي رحمه الله: «وَأَثْنَيْتُ عَلَى زَيْدٍ بِالْأَلِفِ، وَالِاسْمُ: الثَّنَاءُ بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ، يُقَالُ: أَثْنَيْتُ عَلَيْهِ خَيْرًا وَبِخَيْرٍ، وَأَثْنَيْتُ عَلَيْهِ شَرًّا وَبِشَرٍّ؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى، وَصَفْتُهُ هَكَذَا»[2]المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، 1/ 85، مادة (ثني)..
- قوله: «ويطريه»: قال الفيومي رحمه الله: «أَطْرَيْتُ فُلَانًا: مَدَحْتُهُ بِأَحْسَنِ مَا فِيهِ، وَقِيلَ: بَالَغْتُ فِي مَدْحِهِ، وَجَاوَزْتُ الْحَدَّ... أَطْرَأْتُهُ: مَدَحْتُهُ، وَأَطْرَيْتُهُ: أَثْنَيْتُ عَلَيْهِ»[3]المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، 2/ 372، مادة (طري)..
- قوله: صاحبه: الصاحب: الرفيق الملازم لصاحبه. قال الرازي رحمه الله: «أَصْحَبَهُ الشَّيْءَ: جَعَلَهُ لَهُ صَاحِبًا، وَاسْتَصْحَبَهُ الْكِتَابَ وَغَيْرَهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ لَازَمَ شَيْئًا فَقَدِ اسْتَصْحَبَهُ»[4]مختار الصحاح، ص173، مادة (صحب)..
- قوله: ويحك: كلمة رحمة وتوجع، وويل كلمة عذاب، وقد تأتي موضع ويح على حسب السياق، قال الداودي: ويل وويح وويس: كلمات تقولها العرب عند الذم[5]انظر: فتح الباري لابن حجر، 10/ 554، 646..
وقال ابن حجر رحمه الله: «ويحَكَ: بَدَلَ ويلَكَ. قالَ الهَرَوِيّ: ويل يُقالُ لِمَن وقَعَ فِي هَلَكَة يَستَحِقُّها، وويح لِمَن وقَعَ فِي هَلَكَة لا يَستَحِقُّها»[6]فتح الباري، لابن حجر، 3/ 538.. - قوله: أهلكتم: قال ابن فارس رحمه الله: «هَلَكَ: الْهَاءُ وَاللَّامُ وَالْكَافُ: يَدُلُّ عَلَى كَسْرٍ وَسُقُوطٍ، مِنْهُ: الْهَلَاكُ: السُّقُوطُ؛ وَلِذَلِكَ يُقَالُ لِلْمَيِّتِ: هَلَكَ»[7]مقاييس اللغة، 6/ 62، مادة (هلك)..
- قوله: قطعت عنق صاحبك: أي: أهلكتموه بقولكم هذا، وقال ابن الأثير رحمه الله: «قطعت عنق صاحبك، أي: أهلكته بالإطراء، والمدح الزائد، وتعظيمك شأنه عند نفسه؛ فإنه يعجب بنفسه فيهلك، كأنك قد قطعت عنقه»[8]جامع الأصول، 11/ 52..
وقال القاضي عياض رحمه الله: «ومعنى قطع العنق هنا وقطع الظهر: الهلاك، وأصله القتل، وهذا استعارة له من ذلك بهلاكه من جهة الدين، وربما كان من جهة الدنيا أيضًا وما يسببه عليه عجبه»[9]إكمال المعلم بفوائد مسلم، 8/ 550.. - قوله: واللَّه حسيبه: قال الطيبي رحمه الله: «اللَّه حسيبه: يعني: محاسبه على عمله، الذي يحيط بحقيقة حاله، ويعلم سره، وهي جملة اعتراضية»[10]شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 10/ 3117..
وقال ابن الملقن رحمه الله: «وقوله: والله حسيبه، أي: أعلم بحقيقة أمره»[11]التوضيح لشرح الجامع الصحيح، 28/ 576..
وقال ابن الجوزي رحمه الله: «أي: محاسبه على أعماله؛ فإن شاء عاقبه بذنوبه»[12]كشف المشكل من حديث الصحيحين، ص323..
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «قَوله: واللَّه حَسِيبه بِفَتحِ أَوَّله وكَسر ثانِيه وبَعد التَّحتانِيَّة السّاكِنَة مُوحَّدَة، أي: كافِيهِ، ويَحتَمِل أَن يَكُون هُنا فَعِيل مِنَ الحِساب، أي: مُحاسِبَه عَلَى عَمَله الَّذِي يَعلَم حَقِيقَته، وهِيَ جُملَة اعتِراضِيَّة»[13]فتح الباري، لابن حجر، 10/ 477.. - قوله: ولا أزكي على اللَّه أحدًا: أي: لا أقطع على ذلك يقينًا؛ لأن ذلك من الغيب؛ لقوله تعالى: فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم:32].
وقال الطيبي رحمه الله: «ولا يزكي على اللَّه أحدًا: منعٌ له عن الجزم، وهو عطف على قوله: فليقل، أي: من كان منكم مادحًا فليقل: أحسب فلانًا كذا، إن كان يرى أنه كذلك، ولا يجزم بالمدح، ولا يزكي على اللَّه أحدًا بالجزم بمدحه»[14]شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 10/ 3117..
وقال ابن حجر رحمه الله: «بِهَمزَةِ بَدَل التَّحتانِيَّة، أي: لا أَقطَع عَلَى عاقِبَة أَحَد ولا عَلَى ما فِي ضَمِيره؛ لِكَونِ ذَلِكَ مُغَيَّبًا عَنهُ، وجِيءَ بِذَلِكَ بِلَفظِ الخَبَر ومَعناهُ النَّهي، أي: لا تُزَكُّوا أَحَدًا عَلَى اللَّه؛ لأَنَّهُ أَعلَم بِكُم مِنكُم»[15]فتح الباري، لابن حجر، 10/ 477.. - وقوله: إن كان يرى: قال الطيبي رحمه الله: «الجملة الشرطية وقعت حالًا من فاعل فليقل، وعلى في على اللَّه فيه معنى الوجوب والقطع. المعنى: فليقل: أحسب أن فلانًا كيت وكيت، واللَّه يعلم سره فيما فعل، وهو يجازيه؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، ولا يقل: أتيقن أنه محسن، واللَّه شاهد عليه على الجزم والقطع»[16]شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 10/ 3117..
- قوله: لا محالة: أي: لابد له من ذلك. قال ابن الملقن رحمه الله: «وقوله: لا محالة: هو بفتح الميم، أي: لا بد منه»[17]التوضيح لشرح الجامع الصحيح، 28/ 576..
- قوله: أحسبه: أي: أظنه هكذا. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «والمَعنَى: فَليَقُل: أَحسِب أَنَّ فُلانًا كَذا، إِن كانَ يُحسَب ذَلِكَ مِنهُ، واللَّه يَعلَم سِرّه؛ لأَنَّهُ هُو الَّذِي يُجازِيه، ولا يَقُل: أَتَيَقَّن ولا أَتَحَقَّق جازِمًا بِذَلِكَ»[18]فتح الباري، لابن حجر، 10/ 477..
- قوله: قطعتم ظهر الرجل: قال ابن الجوزي رحمه الله: «قطعتم ظهر الرجل إلى تأذيه في دينه، فجعله كقطع ظهره»[19]كشف المشكل من حديث الصحيحين، ص267..
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «أَو قَطَعتُم ظَهر الرَّجُل، كَذا فِيهِ بِالشَّكِّ، وكَذا لِمُسلِمٍ... قَطَعت عُنُق صاحِبك، وهُما بِمَعنًى، والمُراد بِكُلٍّ مِنهُما الهَلاك؛ لأَنَّ مَن يُقطَع عُنُقه يُقتَل، ومَن يُقطَع ظَهره يَهلَك»[20]فتح الباري، لابن حجر، 10/ 477.. - قوله: إن كان يعلم ذاك كذا وكذا: قال القرطبي رحمه الله: «قال ابن السيِّد البطليوسي: كذا وكذا: كناية عن الأعداد المعطوف بعضها على بعض؛ من أحد وعشرين إلى تسعة وتسعين، والمميز بعد هذه الأعداد حقه أن ينصب»[21]المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 7/ 40..
ما يستفاد من الحديث:
- النهي عن أن يمدح المسلم أخاه في وجهه فيما يتعلق بالأمور الدينية؛ كحسن صلاة، أو بذل مالٍ، أو صيام نافلة، أو نحو ذلك؛ لأن في هذا هلاكًا للممدوح، فقد يجره هذا إلى العجب والكبر؛ ولذلك جاء في الحديث: قطعتم ظهر الرجل[22]البخاري، برقم 2663، ومسلم، برقم 3001، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن.، أي: قتلتموه بقولكم هذا.
- بعض الناس يُلَبِّس عليهم الشيطان أعمالهم فيمدحون بالباطل، وقد كره السلف ذلك؛ ولذلك قال النبي : إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب[23]مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط وخيف منه فتنة على الممدوح، برقم 3002.، وقال : إياكم والتمادح؛ فإنه الذبح[24]أخرجه أحمد، 28/ 52، برقم 16837، وابن ماجه، كتاب الأدب، باب المدح، برقم 3743، وصححه محققو المسند، 28/ 53، وقال البوصيري … Continue reading.
- الذي يجوز مدحه هو من جاء التنصيص عليه؛ لأنه قد أمنت عليه الفتنة، وعلى هذا تحمل أحاديث مدح النبي لأصحابه؛ فمن ذلك قول النبي عن أبي بكر : إنَّ مِنْ أمَنِّ الناسِ عليَّ في صحبته وماله أبو بكر[25]البخاري، كتاب الصلاة، باب الخوخة والممر في المسجد، برقم 467.، وهكذا ما جاء في مدح بقيتهم .
- قول هذا الدعاء الذي أرشدنا إليه النبي أمان لصاحبه من التقول على اللَّه بغير علم؛ فإن السرائر والخواتيم لا يعلم بها إلا من بيده مقاليد كل شيء وهو بكل شيء عليم، وانظر كيف ربَّى الرسول أصحابه لما بالغوا في مدحه وهو من هو! قال لهم: لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم؛ فإنما أنا عبد، فقولوا: عبداللَّه ورسوله[26]البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا … Continue reading.
- قال القاضي عياض رحمه الله: «قول النبي : قطعت عنق أخيك: قال أهل العلم: هذا كله في التفاوت في المدح ووصف الإنسان بما ليس فيه، أو لمن يخشى عليه العجب والفساد بسماع المدح، وإلا فقد مدح ، ومدح بحضرته غيره بالنظم والنثر، فلم ينكر، بل قد حض كعب بن زهير... وفي الحديث أنه كان لا يقبل الثناء إلا من مكافئ، أي: من مقتصد فى المدح على أحد التأويلات. احتج أيضًا لهذا بقوله: لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم[27]البخاري، برقم 3445، وتقدم تخريجه في الذي قبله.، وأما قوله: إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب[28]مسلم، برقم 3002.، فقد حمله المقداد وغيره -ممن جاء بعد- على ظاهره، وقال: خيِّبوهم، ولا تعطوهم شيئًا لأجل مدحهم»[29]إكمال المعلم بفوائد مسلم، 8/ 549..
- قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «قالَ ابن بَطّال: حاصِل النَّهي أَنَّ مَن أَفرَطَ فِي مَدح آخَر بِما لَيسَ فِيهِ لَم يَأمَن عَلَى المَمدُوح العُجب؛ لِظَنِّهِ أَنَّهُ بِتِلكَ المَنزِلَة، فَرُبَّما ضَيَّعَ العَمَل والازدِياد مِنَ الخَير اتِّكالًا عَلَى ما وُصِفَ بِهِ؛ ولِذَلِكَ تَأَوَّلَ العُلَماء فِي الحَدِيث الآخَر: احثُوا فِي وُجُوه المَدّاحِينَ التُّراب أَنَّ المُراد مَن يَمدَح النّاس فِي وُجُوههم بِالباطِلِ، وقالَ عُمَر: المَدح هُو الذَّبح. قالَ: وأَمّا مَن مُدِحَ بِما فِيهِ فَلا يَدخُل فِي النَّهي؛ فَقَد مُدِحَ فِي الشِّعر والخُطَب والمُخاطَبَة، ولَم يَحثُ فِي وجه مادِحه تُرابًا. انتَهَى مُلَخَّصًا»[30]فتح الباري، لابن حجر، 10/ 477..
| ^1 | لسان العرب، 2/ 589، مادة (مدح). |
|---|---|
| ^2 | المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، 1/ 85، مادة (ثني). |
| ^3 | المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، 2/ 372، مادة (طري). |
| ^4 | مختار الصحاح، ص173، مادة (صحب). |
| ^5 | انظر: فتح الباري لابن حجر، 10/ 554، 646. |
| ^6 | فتح الباري، لابن حجر، 3/ 538. |
| ^7 | مقاييس اللغة، 6/ 62، مادة (هلك). |
| ^8 | جامع الأصول، 11/ 52. |
| ^9 | إكمال المعلم بفوائد مسلم، 8/ 550. |
| ^10, ^14, ^16 | شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 10/ 3117. |
| ^11, ^17 | التوضيح لشرح الجامع الصحيح، 28/ 576. |
| ^12 | كشف المشكل من حديث الصحيحين، ص323. |
| ^13, ^15, ^18, ^20, ^30 | فتح الباري، لابن حجر، 10/ 477. |
| ^19 | كشف المشكل من حديث الصحيحين، ص267. |
| ^21 | المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 7/ 40. |
| ^22 | البخاري، برقم 2663، ومسلم، برقم 3001، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن. |
| ^23 | مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط وخيف منه فتنة على الممدوح، برقم 3002. |
| ^24 | أخرجه أحمد، 28/ 52، برقم 16837، وابن ماجه، كتاب الأدب، باب المدح، برقم 3743، وصححه محققو المسند، 28/ 53، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة، 4/ 119: «هذا إسناد حسن»، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم 1196. |
| ^25 | البخاري، كتاب الصلاة، باب الخوخة والممر في المسجد، برقم 467. |
| ^26 | البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ، برقم 3445. |
| ^27 | البخاري، برقم 3445، وتقدم تخريجه في الذي قبله. |
| ^28 | مسلم، برقم 3002. |
| ^29 | إكمال المعلم بفوائد مسلم، 8/ 549. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط