القارئ: حمد الدريهم
keyboard_arrow_down
زوَّدك الله التقوى، وغَفَرَ ذنبك، ويسَّر لك الخير حيثما كنتَ[1]رواه الترمذي: 3444 واللفظ له، والبزَّار: 6933، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع": 3579..
| ^1 | رواه الترمذي: 3444 واللفظ له، والبزَّار: 6933، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع": 3579. |
|---|
جدول المحتويات
شرح مفردات الحديث:
- قوله: «فزوِّدني»، أي: بالدعاء والوصية والنصيحة.
قال الطيبي رحمه الله: «فزودني: الزاد: المدَّخر الزائد عما يحتاج إليه في الوقت، والتزود: أخذ الزاد، قال تعالى: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة:197]. أقول [القائل الطيبي]: يحتمل أن الرجل طلب الزاد المتعارف، فأجابه صلوات اللَّه عليه بما أجاب على الأسلوب الحكيم، أي: زادُكَ أن تتّقيَ محارمَ اللَّه، وتتجنَّب معاصيه»[1]شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 6/ 1902..
قال ابن علان رحمه الله: «إني أريد سفرًا فزوِّدني: يحتمل أن تكون عاطفة على مقدر، أي: فائذن لي وزوّدني، كما تقدم من فعل عمر في استئذان النبي ، ويحتمل تقدم الإذن له في ذلك، وإنما جاء لطلب الدعاء»[2]دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، 5/ 231.. - قوله: زودك اللَّه التقوى: هذا دعاء في صورة الإخبار، وكذلك ما بعده.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في التقوى: «التَّقْوَى: إذَا أُفْرِدَ دَخَلَ فِيهِ فِعْلُ كُلِّ مَأْمُورٍ بِهِ، وَتَرْكُ كُلِّ مَحْظُورٍ. قَالَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ: التَّقْوَى: أَنْ تَعْمَلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللَّهِ تَرْجُو رَحْمَةَ اللَّهِ، وَأَنْ تَتْرُكَ مَعْصِيَةَ اللَّهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللَّهِ تَخَافَ عَذَابَ اللَّه»[3]مجموع الفتاوى، لابن تيمية، 7/ 163..
وقال أيضًا: «هِيَ الِاحْتِمَاءُ عَمَّا يَضُرُّهُ، بِفِعْلِ مَا يَنْفَعُهُ؛ فَإِنَّ الِاحْتِمَاءَ عَنِ الضَّارِّ يَسْتَلْزِمُ اسْتِعْمَالَ النَّافِعِ، وَأَمَّا اسْتِعْمَالُ النَّافِعِ فَقَدْ يَكُونُ مَعَهُ أَيْضًا اسْتِعْمَالٌ لِضَارٍّ، فَلَا يَكُونُ صَاحِبُهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، وَأَمَّا تَرْكُ اسْتِعْمَالِ الضَّارِّ وَالنَّافِعِ فَهَذَا لَا يَكُونُ؛ فَإِنَّ الْعَبْدَ إذَا عَجَزَ عَنْ تَنَاوُلِ الْغِذَاءِ كَانَ مُغْتَذِيًا بِمَا مَعَهُ مِنَ الْمَوَادِّ الَّتِي تَضُرُّهُ حَتَّى يَهْلِكَ. وَلِهَذَا كَانَتْ الْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى وَلِلْمُتَّقِينَ؛ لِأَنَّهُمْ الْمُحْتَمُونَ عَمَّا يَضُرُّهُمْ، فَعَاقِبَتُهُمْ الْإِسْلَامُ وَالْكَرَامَةُ، وَإِنْ وَجَدُوا أَلَمًا فِي الِابْتِدَاءِ لِتَنَاوُلِ الدَّوَاءِ وَالِاحْتِمَاءِ، كَفِعْلِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الْمَكْرُوهَةِ»[4]مجموع الفتاوى، لابن تيمية، 10/ 144..
وقال المناوي رحمه الله: «يا من جاءنا يريد سفرًا ويلتمس أن نزوده»[5]فيض القدير، 4/ 88..
وقال ابن علان رحمه الله: «وإنما كانت كذلك؛ لأنها الزاد الذي يقطع به العقبة الكؤود، وينجى بها -برحمة اللّه تعالى- المرء في اليوم المشهود»[6]دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، 5/ 231..
وقال القاري رحمه الله: «زودك الله التقوى، أي: الاستغناء عن المخلوق، أو امتثال الأوامر واجتناب النواهي»[7]مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، 8/ 327.. - قوله: «قال: زدني»: قال ابن علان رحمه الله: «لا يخفى ما بين زوِّدْني وزِدْني من الجناس، أي: من هذا الزاد»[8]دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، 5/ 231..
وقال القاري رحمه الله: «قال: زدني، أي: من الزاد، أو من الدعاء. قال: وغفر ذنبك»[9]مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، 8/ 327.. - قوله: «بأبي أنت وأمي»: قال القاري رحمه الله: «أي: أفديك بهما، وأجعلهما فداءك، فضلًا عن غيرهما»[10]مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، 8/ 327، وتقدم في المفردة رقم 33 في شرح حديث المتن رقم 165..
- قوله: وغفر ذنبك: قال الطيبي رحمه الله: «لما طلب الزيادة قيل: وغفر ذنبك؛ فإن الزيادة إنما تكون من جنس المزيد عليه، وربما زعم الرجل أنه يتقي اللَّه، وفي الحقيقة لا تكون تقوى يترتب عليها المغفرة، فأشار بقوله: وغفر ذنبك: أن يكون ذلك الاتقاء بحيث يترتب عليه المغفرة»[11]شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 6/ 1902..
وقال ابن علان: «أي: ما أسلفته من المخالفة»[12]دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، 5/ 231.. - قوله: ويسّر لك الخير: قال الطيبي رحمه الله: «ثم ترقى منه إلى قوله: ويسر لك الخير؛ فإن التعريف في الخير للجنس، فيتناول خير الدنيا والآخرة»[13]شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 6/ 1902..
وقال القاري رحمه الله: «ويسر لك الخير، أي: سهّل لك خير الدارين»[14]مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، 8/ 327.. - قوله: حيثما كنت: أي: في الحل والترحال. قال القاري رحمه الله: «حيثما كنت، أي: في أي مكان حللت، ومِن لازمه: في أي زمان نزلت»[15]مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، 8/ 327..
ما يستفاد من الحديث:
- استحباب إعلام المسافر بسفره كبير القوم وعالمهم، وكذلك صالحي المؤمنين، وطلب الدعاء والنصح منهم.
- أهم زاد يتزود به المسلم في الدنيا هو زاد التقوى، وهذا كقوله: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ [البقرة:197]؛ ولذلك بدأ بها النبي .
- قال ابن مفلح رحمه الله: «وَقَالَ ابْنُ عَبْدِالْبَرِّ فِي كِتَابِ بَهْجَةِ الْمَجَالِسِ: إذَا خَرَجَ أَحَدُكُمْ إلَى سَفَرٍ فَلْيُوَدِّعْ إخْوَانَهُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ فِي دُعَائِهِمْ بَرَكَةً. قَالَ: وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: السُّنَّةُ إذَا قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ سَفَرٍ أَنْ يَأْتِيَهُ إخْوَانُهُ فَيُسَلِّمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا خَرَجَ إلَى سَفَرٍ أَنْ يَأْتِيَهُمْ فَيُوَدِّعَهُمْ وَيَغْنَمَ دُعَاءَهُمْ»[16]الآداب الشرعية لابن مفلح، 1/ 450..
- قال الشوكاني رحمه الله: «في الحديث دليل على مشروعية الدعاء للمسافر بهذه الدعوات: جعل الله التقوى زادك، وغفر ذنبك، ووجه لك الخير حيثما توجهت»[17]تحفة الذاكرين بعدة الحصن الحصين للشوكاني، ص229..
- قال المناوي رحمه الله: «فيندب لكل من ودَّع مسافرًا أن يقوله له، ويحصّل أصل السنة بقوله: زوّدك اللَّه التقوى، والأكمل الإتيان بما ذكر كله»[18]فيض القدير، 4/ 88..
- قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: «يطلب الدعاء من الرجل الصالح من أجل أن ينتفع الرجل بهذا الدعاء، ولا يهمه هو أن ينتفع، لكن يحب من هذا الرجل الذي طلب منه الدعاء أن يلجأ إلى اللَّه، وأن يسأل اللَّه ، وأن يعلق قلبه باللَّه، وأن يعلم أن اللَّه سميع الدعاء، المهم أن يكون قصده مصلحة هذا الرجل؛ فهذا لا بأس به أيضًا؛ لأنك لم تسأله لمحض نفعك، ولكن لنفعه هو، فأنت تريد أن يزداد هذا الرجل الصالح خيرًا بدعاء اللَّه ، وأن يتقرب إلى اللَّه بالدعاء، وأن يحصل على الأجر والثواب»[19]شرح رياض الصالحين، ص717..
- وقال ابن عثيمين رحمه الله أيضًا: «يطلب الدعاء من الغير لمصلحة نفسه هو؛ فهذا أجازه بعض العلماء، وقال: لا بأس أن تطلب من الرجل الصالح أن يدعو لك. لكن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: لا ينبغي إذا كان قصدك مصلحة نفسك فقط؛ لأن هذا قد يدخل في المسألة المذمومة؛ لأن النبي بايع أصحابه ألَّا يسألوا الناس شيئًا.
وكذلك لأنه ربما يعتمد هذا السائل الذي سأل غيره أن يدعو له، ربما يعتمد على دعاء هذا الغير وينسى أن يدعو هو لنفسه، فيقول: أنا قلت لفلان -وهو رجل صالح-: ادْعُ الله لي، وإذا استجاب اللَّه هذا الدعاء فهو كاف، فيعتمد على غيره.
وكذلك لأنه ربما يلحق المسؤول غرور في نفسه، وأنه رجل صالح يطمع الناس إلى دعائه، فيحصل في هذا شر على المسؤول.
وعلى كل حال، فإن هذا القسم الثالث مختلف فيه؛ فمن العلماء من قال: لا بأس أن تقول للرجل الصالح: يا فلان ادع اللَّه لي، ومنهم من قال: لا ينبغي. والأحسن ألا تقول ذلك؛ لأنه ربما يمنّ عليك بهذا، وربما تذلّ أمامه بسؤالك، ثم إنه مَن الذي يحول بينك وبين ربك؟ ادع اللَّه بنفسك، لا أحد يحول بينك وبين اللَّه، لماذا تذهب تفتقر إلى غيرك، وتقول: ادع اللَّه لي، وأنت ليس بينك وبين ربك واسطة؟»[20]شرح رياض الصالحين، ص717..
| ^1, ^11, ^13 | شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 6/ 1902. |
|---|---|
| ^2, ^6, ^8, ^12 | دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، 5/ 231. |
| ^3 | مجموع الفتاوى، لابن تيمية، 7/ 163. |
| ^4 | مجموع الفتاوى، لابن تيمية، 10/ 144. |
| ^5, ^18 | فيض القدير، 4/ 88. |
| ^7, ^9, ^14, ^15 | مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، 8/ 327. |
| ^10 | مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، 8/ 327، وتقدم في المفردة رقم 33 في شرح حديث المتن رقم 165. |
| ^16 | الآداب الشرعية لابن مفلح، 1/ 450. |
| ^17 | تحفة الذاكرين بعدة الحصن الحصين للشوكاني، ص229. |
| ^19, ^20 | شرح رياض الصالحين، ص717. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط