القارئ: حمد الدريهم
keyboard_arrow_down
اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيِّم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ربُّ السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد لك مُلك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت مَلِكُ السماوات والأرض، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك الحق، ولقاؤك الحق، والجنة حقٌّ، والنار حقٌّ، والنبيون حقٌّ، ومحمدٌ حقٌّ، والساعة حقٌّ، اللهم لك أسلمتُ، وعليك توكَّلتُ، وبك آمنتُ، وإليك أنبتُ، وبك خاصمتُ، وإليك حاكمتُ، فاغفر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، أنت المقدِّم وأنت المؤخِّر، لا إله إلا أنت، أنت إلهي، لا إله إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بالله[1]رواه بنحوه البخاري: 1120 و6317 و7442 و7499، ومسلم: 769 مختصرًا.
| ^1 | رواه بنحوه البخاري: 1120 و6317 و7442 و7499، ومسلم: 769 مختصرًا. |
|---|
جدول المحتويات
شرح مفردات الحديث:
- قوله: اللهم: قال ابن منظور رحمه الله: «اللهم: بِمَعْنَى: يَا أَلله، وَالْمِيمُ الْمُشَدَّدَةُ عِوَضٌ مِنْ يَا...»[1]لسان العرب، 13/ 470، مادة (أله)، وتقدم مستوفى في شرح المفردة رقم 6 من مفردات حديث المتن رقم 1..
- قوله: لك الحمد: قال ابن الأثير رحمه الله: «في أسماء اللّه تعالى: الحميد، أي: المحمود على كل حال، والحمد والشكر مُتَقاربان، والحمد أعَمُّهما، لأنَّك تحمَد الإنسان على صِفاته الذَّاتيَّة، وعلى عطائه، ولا تَشْكُره على صِفاته، والشُّكر فيه إظهار النّعْمة، والإشادة بها؛ ولأنه أعم منه، فهو شُكْر وزيادة»[2]انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، 1/ 435، مادة (حمد)، وتقدم في شرح المفردة رقم 2 من حديث المتن رقم 6..
- قوله: أنت نور السماوات والأرض: أي بنوره يهتدي أهل السماوات والأرض مع كونه هو نور السماوات والأرض ومن فيهن، قال ابن الملقن رحمه الله: «أي: بنورك يهتدي من في السماوات والأرض، قاله ابن بطال، وقال ابن التين: يحتمل أن يكون من قوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [النور:35]، قيل: معناه: ذو نور السماوات والأرض، وروي عن ابن عباس معناه: هادي أهلهما»[3]التوضيح لشرح الجامع الصحيح، 9/ 17..
قال العلامة السعدي رحمه الله في تفسير: نور السماوات والأرض: «[أي: النور] الحسي، والمعنوي، وذلك أنه تعالى بذاته نور، وحجابه -الذي لولا لطفه، لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه- نور، وبه استنار العرش، والكرسي، والشمس، والقمر، والنور، وبه استنارت الجنة، وكذلك النور المعنوي يرجع إلى اللَّه، فكتابه نور، وشرعه نور، والإيمان والمعرفة في قلوب رسله وعباده المؤمنين نور، فلولا نوره تعالى، لتراكمت الظلمات؛ ولهذا: كل مَحلٍّ، يفقد نوره، فثَمَّ الظلمة، والحصر»[4]تفسير السعدي، ص568.. - قوله: قيم السماوات والأرض: أي القائم بتدبير الكون كله: العلوي منه، والسفلي، مع قيامه على كل نفس بما كسبت، والقيوم: هو القائم الدائم بلا زوال، وقال ابن الملقن رحمه الله: «أي: أنت القائم على كل نفسٍ بما كسبت، وخالقها، ورازقها، ومميتها، ومحييها، وقيل في معنى: أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ [الرعد:33]: أفمن هو حافظ على كل نفس لا يغفل ولا يمل، فالمعنى: الحافظ لهما ومن فيهن»[5]التوضيح لشرح الجامع الصحيح، 9/ 17..
- قوله: رب السماوات والأرض: قال العيني رحمه الله: «خصهما بالذكر لأنهما من أعظم المشاهدات، ومعنى الرب في اللغة يطلق على: المالك، والسيد، والمدبر، والمربي، والمتمم، والمنعم، ولا يطلق غير مضاف إلا على اللَّه تعالى»[6]عمدة القاري شرح صحيح البخاري، 33/ 97..
- قوله: أنت مَلِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ: أي: أن اللَّه هو الملك، والمالك على الحقيقة، وهذا يقتضي تصرفه كما يشاء: لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23]، أما غيره فيُسأل لجهله، وعجزه، وكونه مربوبًا، قال ابن الملقن رحمه الله: «أي: مالكهما، ومالك من فيهما، وخالقهما وما فيهما»[7]التوضيح لشرح الجامع الصحيح، 9/ 18..
- قوله: أنت الحق: قال الإمام النووي رحمه الله: الحق في أسمائه معناه: المتحقق وجوده، وكل شيء صح وجوده، وتحقق فهو حق[8]شرح النووي على صحيح مسلم، 6/ 297.، قال تعالى: فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ [يونس:32].
قال ابن بطال رحمه الله: «أنت الحق: فالحق اسم من أسمائه، وصفة من صفاته»[9]شرح صحيح البخاري، لابن بطال، 3/ 109.. - قوله: وقولك الحق: أي لا عبث فيه، ولا مرية في صدقه: وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ [الأحزاب:4]، قال ابن الملقن رحمه الله: «وَقَوْلُكَ حَقٌّ: أي: صدق وعدل، وقال ابن التين: يقول: ووعدك صدق»[10]التوضيح لشرح الجامع الصحيح، 9/ 19.، وقال ابن بطال رحمه الله: «يعني قولك الصدق والعدل»[11]شرح صحيح البخاري، لابن بطال، 3/ 109..
- قوله: ووعدك الحق: أي أن ما وعدت به في كتابك، وعلى ألسنة رسلك، واقع لاشك في ذلك، ولا مرية فيه، قال اللَّه: أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ [يونس:55]، وقال ابن بطال رحمه الله: «يعني لا تخلف الميعاد، وتجزي الذين أساؤوا بما عملوا، إلا ما تجاوز عنه، وتجزي الذين أحسنوا بالحسنى»[12]شرح صحيح البخاري، لابن بطال، 3/ 109..
- قوله: ولقاؤك الحق: أي على الوجه اللائق به ، فنثبت اللقاء ونفوض كيفيته إلى اللَّه وحده، قال شيخ الإسلام[13]مجموع الفتاوى، 6/ 461- 475. ابن تيمية رحمه الله: «أما اللقاء، فقد فسره طائفة من السلف والخلف بما يتضمن المعاينة، والمشاهدة بعد السلوك والمسير، وهو متضمن رؤيته كقول اللَّه : يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ [الانشقاق:6].
- قوله: والجنة حق والنار حق: هذا دليل على أنهما موجودتان، مخلوقتان، باقيتان بإبقاء اللَّه لهما، لا تفنيان أبدًا، قال العيني رحمه الله: «قوله: والجنة حق والنار حق: فيه الإقرار بهما، وبالأنبياء، وقال ابن التين: فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن خبره بذلك لا يدخله كذب، ولا تغيير، ثانيها: أن خبر من أخبر عنه بذلك، وبلَّغه حق، ثالثها: أنهما قد خلقتا»[14]عمدة القاري شرح صحيح البخاري، 11/ 244..
وقال ابن بطال رحمه الله: «وقوله والجنة حق، والنار حق: فيه الإقرار بالبعث بعد الموت، والإقرار بالجنة والنار، والإقرار بالأنبياء عليهم السلام»[15]شرح صحيح البخاري، لابن بطال، 3/ 109.. - قوله والنبيون حق: لأنهم جميعًا صادقون، وبالوحي مؤيدون، وأنهم بلَّغوا أمر اللَّه وشرعه على أكمل وجه، فلم يكتموا، أو يغيروا، وأنهم اتفقوا جميعًا على الدعوة إلى التوحيد: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]، قال العيني رحمه الله: «بأنهم من عند الله»[16]عمدة القاري شرح صحيح البخاري، 11/ 244.، وقال ابن الملقن رحمه الله: «إنهم رسل اللَّه»[17]التوضيح لشرح الجامع الصحيح، 9/ 20..
- قوله: ومحمد حق: خصه بالذكر تعظيمًا له، وعطفه على النبيين إيذانًا بالتغاير بأنه فائق عليهم بأوصاف مختصة، وجرده عن ذاته مبالغة في إثبات نبوته، كما في التشهد[18]انظر: فتح الباري، 3/ 5.، وقال العيني رحمه الله: «ومحمد حق: إنما خصّ محمدًا من النبيين، وإن كان داخلًا فيهم، وعطفه عليهم، إيذانًا بالتغاير، وأنه فائق عليهم بأوصاف مختصة به؛ فإن تغير الوصف ينزل منزلة تغيير الذات، ثم جرده عن ذاته كأنه غيره، فوجب عليه الإيمان به، وتصديقه، وهذا مبالغة في إثبات نبوته»[19]عمدة القاري شرح صحيح البخاري، 11/ 244..
- قوله: والساعة حق: أي يوم القيامة، وأصل الساعة القطعة من الزمان، وإطلاق اسم الحق على ما ذكر معناه أنه متحقق لا محالة[20]انظر: فتح الباري، 3/ 5..
- قوله: لك أسلمت: أي استسلمت، وانقدت لحكمك، قال ابن الملقن رحمه الله: «أي: استسلمت، وانقدت لأمرك، ونهيك، وسلمت، ورضيت، وأطعت، من قولهم: أسلم فلان لفلان: إذا انقاد، وعطف عليه»[21]التوضيح لشرح الجامع الصحيح، 9/ 20..
- قوله: وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ: قال ابن بطال رحمه الله: «تبرأ إليه من الحول، والقوة، وصرف أموره إليه، قال الفراء: الوكيل: الكافي»[22]شرح صحيح البخاري، لابن بطال، 3/ 109.، وقال الزرقاني رحمه الله: «أَيْ: فَوَّضْتُ أُمُورِي تَارِكًا النَّظَرَ فِي الْأَسْبَابِ الْعَادِيَّةِ»[23]شرح الزرقاني على الموطأ، 2/ 55..
- قوله: وبك آمنت: أي آمنت بك، وبكل ما أخبرت به على ألسنة رسلك الكرام، قال البيضاوي رحمه الله: «وبك آمنت: أي: صدقت، أو بك آمنت نفسي من عذابك»[24]تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة للبيضاوي، 1/ 360.، ولا شك أن الإيمان: اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية.
- قوله: وإليك أنبت: أي رجعت إليك في تدبير أمري مع تفويض الأمر إليك، قال ابن الأثير رحمه الله: «أنبت: الإنابة: الرجوع إلى اللَّه تعالى بالتوبة»[25]جامع الأصول، 4/ 234..
- قوله: وبك خاصمت: أي بما أعطيتني من البرهان والحجة، قال ابن الملقن رحمه الله: «وَبِكَ خَاصَمْتُ: أي: بما آتيتني من البراهين، احتججت على من عاند فيك، وكفر، وجمعته بالحجة، وسواء خاصم فيه بلسان، أو سيف»[26]التوضيح لشرح الجامع الصحيح، 9/ 21..
- قوله: وإليك حاكمت: أي كل من جحد الحق جعلتك حكمًا بيننا خلافًا لأهل الجاهلية الذين كانوا يتحاكمون إلى الأصنام والكهنة والشياطين، قال القاري رحمه الله: «وإليك حاكمت: أي: كل من جحد الحق حاكمته إليك، وجعلتك الحاكم بيني وبينه، لا غيرك، مما كانت تحاكم إليه الجاهلية، من: صنم، وكاهن، ونار، ونحو ذلك، والمحاكمة: رفع القضية إلى الحاكم، وقيل: ظاهره أن لا يحاكمهم إلا اللَّه، ولا يرضى إلا بحكمه»[27]عمدة القاري شرح صحيح البخاري، 11/ 245..
- قوله: فَاغْفِر لي: قال ابن الملقن رحمه الله: «الْمَغْفِرَة: تَغْطِيَة الذَّنب وكل مَا غطى فقد غفر وَمِنْه: المغفر»[28]التوضيح لشرح الجامع الصحيح، 9/ 22..
وقال ابن منظور رحمه الله: «الغَفُورُ الغَفّارُ، جَلَّ ثَنَاؤُهُ... وَمَعْنَاهُمَا: السَّاتِرُ لِذُنُوبِ عِبَادِهِ، الْمُتَجَاوِزُ عَنْ خَطَايَاهُمْ وَذُنُوبِهِمْ... غَفَرَه يَغْفِرُه غَفرًا: سَتَرَهُ. وَكُلُّ شَيْءٍ سَتَرْتَهُ، فَقَدْ غَفَرْته... وَمِنْهُ: غَفَرَ اللَّهُ ذُنُوبَهُ أَي سَتَرَهَا»[29]لسان العرب، 5/ 25، مادة (غفر)، وتقدم في شرح المفردة رقم 12 من حديث المتن رقم 2..
وقال العيني رحمه الله: «إِنَّمَا قَالَ ذَلِك مَعَ أَنه مغْفُور لَهُ لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: للتواضع، وهضم النَّفس، والإجلال للَّه تَعَالَى، والتعظيم لَهُ ، الثَّانِي: للتعليم لأمته؛ ليقتدوا بِهِ فِي أصل الدُّعَاء، والخضوع، وَحسن التضرع، وَالرَّغْبَة والرهبة»[30]عمدة القاري شرح صحيح البخاري، 7/ 167.. - قوله: ما قدمت، وما أخرت: قال ابن هبيرة رحمه الله: «أي من ذنوبي، أو ما قدمت من شهواتي على حقوقك، وما أخرت من الحقوق التي تجب لك»[31]الإفصاح عن معاني الصحاح، 3/ 19..
وقال القاري رحمه الله: «وَمَا أخرت عَنهُ أَمر الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، بالإشفاق، وَالدُّعَاء إِلَى اللَّه تَعَالَى، وَالرَّغْبَة إِلَيْهِ أَن يغْفر مَا يكون من غَفلَة تعتري الْبشر، وَمَا قدم: مَا مضى، وَمَا أخر: مَا يسْتَقْبل»[32]عمدة القاري شرح صحيح البخاري، 7/ 167.. - قوله: وَمَا أسررت، وَمَا أعلنت: أَي: وَمَا أخفيت، وما أعلنت: أَي: وَمَا أظهرت، أَو الْمَعْنى: مَا حدثت بِهِ نَفسِي وَمَا تحرّك بِهِ لساني»[33]عمدة القاري شرح صحيح البخاري، 7/ 167..
- قوله: وما أنت أعلم به مني: قال ابن الملقن رحمه الله: «قيل: إنه قاله تواضعًا وعد على نفسه فوات الكمال ذنبًا، وقيل: أراد ما كان عن سهو، وقيل: ما كان قبل النبوة، وعلى كل حال فهو مغفور له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، فدعا بهذا وغيره؛ تواضعًا؛ لأن الدعاء عبادة»[34]التوضيح لشرح الجامع الصحيح، 29/ 347..
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله: «هَذَا التَّعْمِيمُ وَهَذَا الشُّمُولُ لِتَأْتِيَ التَّوْبَةُ عَلَى مَا عَلِمَهُ الْعَبْدُ مِنْ ذُنُوبِهِ وَمَا لَمْ يَعْلَمْهُ»[35]مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، 1/ 283.. - قوله: أنت المقدم وأنت المؤخر: أي: أن اللَّه قدم بعضًا من مخلوقاته على بعض في الخلق، والإيجاد ومن ذلك:
- تقديم خلق القلم[36]لحديث عبادة بن الصامت عند أبي داود، كتاب السنة، باب في القدر، برقم 4700: إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ … Continue reading.
- تقديم خلق الملائكة على خلق الجن والإنس[37]لقوله: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً... [البقرة:30]..
- تقديم خلق الجن على خلق الإنس: وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ [الحجر:27].
قال الشوكاني رحمه الله: «أي: المقدم لما شئت تقديمه، والمؤخر لما شئت تأخيره»[38]تحفة الذاكرين بعدة الحصن الحصين للشوكاني، ص187..
- والتقديم والتأخير صفتان بين صفات الأفعال التابعة لمشيئة اللَّه وحكمته، وهما أيضًا صفتان للذات؛ إذ قيامهما بالذات لا بغيرهما، ولا يجوز إفراد أحدهما عن الآخر[39]النهج الأسمى في شرح أسماء اللَّه الحسنى للنجدي، 3/ 58.، وقال الطيبي رحمه الله: «وقوله: أنت المقدم: أي: تقدم من تشاء من خلقك، بتوفيقك إلي رحمتك، وتؤخر من تشاء عن ذلك»[40]شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 6/ 1924..
- قوله: لا إله إلا أنت: أي: لا معبود بحقٍّ غيرك، ولا معروف بهذه المعرفة سواك[41]المفهم، لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 7/ 33.، قال الطيبي رحمه الله: «إثبات للإلهية المطلقة للَّه تعالى على سبيل الحصر، بعد إثبات الملك له»[42]شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 3/ 990، وتقدم في شرح المفردة رقم 12 من مفردات حديث المتن رقم 29..
- قوله: أنت إلهي: قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: «وألوهية اللَّه فرع عن ربوبيته؛ لأن من تأله للَّه فقد أقر بالربوبية؛ إذ إن المعبود لا بد أن يكون ربًّا، ولا بد أن يكون كامل الصفات؛ ولهذا تجد الذين ينكرون صفات اللَّه عندهم نقص عظيم في العبودية؛ لأنهم يعبدون لا شيء، فالرب لا بد أن يكون كامل الصفات، حتى يعبد بمقتضى هذه الصفات؛ ولهذا قال اللَّه تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180]، أي: تعبّدوا له، وتوسّلوا بأسمائه إلى مطلوبكم»[43]شرح رياض الصالحين، شرح الحديث رقم 60..
- قوله: «إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ»: كان النبي يدعو اللَّه في أوقات ليله، ونهاره، وعند نومه، ويقظته بنوع من الدعاء يصلح لحاله تلك ولوقته[44]شرح صحيح البخاري لابن بطال، 10/ 85..
- قوله: أنت قيّام السموات والأرض: قال النووي رحمه الله: «وفي الرواية الثانية: قيِّم قال العلماء من صفاته القيّام، والقيِّم كما صرح به هذا الحديث، والقيّوم بنص القرآن، وقائم، ومنه قوله تعالى: أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ [الرعد:33]، قال الهروي: «ويقال قوام. قال ابن عباس: القيوم الذي لا يزول، وقال غيره: هو القائم على كل شيء، ومعناه: مدبر أمر خلقه، وهما سائغان في تفسير الآية والحديث...»[45]شرح النووي على صحيح مسلم، 6/ 54..
وقال ابن الأثير رحمه الله: «القيام: القيم، والقيوم، والقيام والقائم: بمعنى واحد، أي: حافظ السموات والأرض»[46]جامع الأصول، 4/ 234.. - قوله: ولا حول ولا قوة إلا باللَّه: «إشارة إلى أنه لا توجد قابضة حركة، ولا قابضة سكون في خير وشر إلا بأمر اللَّه التابع لمشيئته : إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[يس:82][47]انظر: شرح المفردة رقم 9 من مفردات حديث المتن رقم 2.»[48]فيض القدير للمناوي، 2/ 151..
ما يستفاد من الحديث:
- استحباب تقديم الحمد والثناء قبل المسألة اقتداءً بالرسول الكريم .
- عظيم معرفة النبي بربه وتحقيقه لأعلى درجات العبودية والتسليم.
- وجوب الإيمان بالأنبياء والرسل جميعًا، فمن كذَّب بواحد منهم فقد كفر بالجميع. قال اللَّه : كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:105]، ونوح هو أول رسول، فلما كذبوا حكم اللَّه عليهم بأنهم كذبوا الجميع.
- اشتمل هذا الحديث على صفات الربوبية، والقيومية، والنور، وهي صفات قائمة له لا تفارقه، وآثارها منفصلة عنه وهي مخلوقة[49]انظر: مختصر الصواعق المرسلة، 3/ 1036.، أي آثار هذه الصفات.
- واشتمل على توحيد الألوهية، والإقرار بها، لقوله: وأنت إلهي، لا إله إلا أنت.
- النور: صفة لله وهذا النور على نوعين:
- نور حسي.
- نور معنوي.
أما الحسي فهو ما اتصف به من النور العظيم الذي لا يفارق ذات الرب وهو على ثلاثة أنواع:- يضاف إليه كما قال: وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا [الزمر:69]. فإن إشراق الأرض يوم القيامة لا يكون بشمس ولا بقمر؛ لأن الشمس تكور والقمر يخسف ويذهب نورهما[50]انظر: الوابل الصيب، ص117..
- إضافة نوره إلى السموات والأرض: اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ [النور:35]. قال ابن القيم: «وَمَنْ تَعَدَّى أَنْ يَقُولَ: اللَّهُ نُورٌ، فَقَدْ تَعَدَّى إِلَى غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ يُسَمِّي نَفْسَهُ لِعِبَادِهِ بِمَا لَيْسَ هُوَ بِهِ»[51]مختصر الصواعق المرسلة، 1/ 425..
- قول النبي : حجابه النور[52]رواه مسلم: 179.. وهذا النور لا يعبر عنه إلا بمثل هذه العبارة؛ لأن جميع المخلوقات لا تثبت أمام نوره في الدنيا، أما أهل الجنة فيعطيهم اللَّه حياة كاملة حتى يتمكنوا من رؤيته، ويقوِّي أبصارهم لذلك.
وأما النوع الثاني من النور -وهو المعنوي- فهو نور معرفته ومحبته الذي أكرم اللَّه به رسله وأولياءه وأصفياءه.
- من الأدلة على أن الجنة والنار موجودتان الآن قوله تعالى في شأن الجنة: أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:133]، وقوله في شأن النار: أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [آل عمران:131].
ومن الأدلة العامة قول النبي : اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء[53]البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، برقم 3069..
والأدلة على ذلك كثيرة جدًّا، تراجع في مظانها من كتب عقيدة أهل السنة والجماعة وهي الفرقة الناجية والطائفة المنصورة بإذن اللَّه تعالى.
| ^1 | لسان العرب، 13/ 470، مادة (أله)، وتقدم مستوفى في شرح المفردة رقم 6 من مفردات حديث المتن رقم 1. |
|---|---|
| ^2 | انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، 1/ 435، مادة (حمد)، وتقدم في شرح المفردة رقم 2 من حديث المتن رقم 6. |
| ^3, ^5 | التوضيح لشرح الجامع الصحيح، 9/ 17. |
| ^4 | تفسير السعدي، ص568. |
| ^6 | عمدة القاري شرح صحيح البخاري، 33/ 97. |
| ^7 | التوضيح لشرح الجامع الصحيح، 9/ 18. |
| ^8 | شرح النووي على صحيح مسلم، 6/ 297. |
| ^9, ^11, ^12, ^15, ^22 | شرح صحيح البخاري، لابن بطال، 3/ 109. |
| ^10 | التوضيح لشرح الجامع الصحيح، 9/ 19. |
| ^13 | مجموع الفتاوى، 6/ 461- 475. |
| ^14, ^16, ^19 | عمدة القاري شرح صحيح البخاري، 11/ 244. |
| ^17, ^21 | التوضيح لشرح الجامع الصحيح، 9/ 20. |
| ^18, ^20 | انظر: فتح الباري، 3/ 5. |
| ^23 | شرح الزرقاني على الموطأ، 2/ 55. |
| ^24 | تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة للبيضاوي، 1/ 360. |
| ^25, ^46 | جامع الأصول، 4/ 234. |
| ^26 | التوضيح لشرح الجامع الصحيح، 9/ 21. |
| ^27 | عمدة القاري شرح صحيح البخاري، 11/ 245. |
| ^28 | التوضيح لشرح الجامع الصحيح، 9/ 22. |
| ^29 | لسان العرب، 5/ 25، مادة (غفر)، وتقدم في شرح المفردة رقم 12 من حديث المتن رقم 2. |
| ^30, ^32, ^33 | عمدة القاري شرح صحيح البخاري، 7/ 167. |
| ^31 | الإفصاح عن معاني الصحاح، 3/ 19. |
| ^34 | التوضيح لشرح الجامع الصحيح، 29/ 347. |
| ^35 | مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، 1/ 283. |
| ^36 | لحديث عبادة بن الصامت عند أبي داود، كتاب السنة، باب في القدر، برقم 4700: إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، قَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، يَا بُنَيَّ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّي، وصححه الألباني في المشكاة، برقم 94. |
| ^37 | لقوله: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً... [البقرة:30]. |
| ^38 | تحفة الذاكرين بعدة الحصن الحصين للشوكاني، ص187. |
| ^39 | النهج الأسمى في شرح أسماء اللَّه الحسنى للنجدي، 3/ 58. |
| ^40 | شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 6/ 1924. |
| ^41 | المفهم، لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 7/ 33. |
| ^42 | شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 3/ 990، وتقدم في شرح المفردة رقم 12 من مفردات حديث المتن رقم 29. |
| ^43 | شرح رياض الصالحين، شرح الحديث رقم 60. |
| ^44 | شرح صحيح البخاري لابن بطال، 10/ 85. |
| ^45 | شرح النووي على صحيح مسلم، 6/ 54. |
| ^47 | انظر: شرح المفردة رقم 9 من مفردات حديث المتن رقم 2. |
| ^48 | فيض القدير للمناوي، 2/ 151. |
| ^49 | انظر: مختصر الصواعق المرسلة، 3/ 1036. |
| ^50 | انظر: الوابل الصيب، ص117. |
| ^51 | مختصر الصواعق المرسلة، 1/ 425. |
| ^52 | رواه مسلم: 179. |
| ^53 | البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، برقم 3069. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط