القارئ: حمد الدريهم
keyboard_arrow_down
اللهم لك سجدتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ. سَجَدَ وجهي للذي خلقه وصوَّره، وشقَّ سَمْعَه وبَصَرَه، تبارك الله أحسنُ الخالقين[1]رواه مسلم: 771..
| ^1 | رواه مسلم: 771. |
|---|
جدول المحتويات
شرح مفردات الحديث:
- قوله: اللهم: قال ابن منظور رحمه الله: «اللهم: بِمَعْنَى: يَا أَلله، وَالْمِيمُ الْمُشَدَّدَةُ عِوَضٌ مِنْ يَا...»[1]لسان العرب، 13/ 470، مادة (أله)، وتقدم مستوفى في شرح المفردة رقم 6 من مفردات حديث المتن رقم 1..
- قوله: اللهم لك سجدت: أي يتَطاَمَن العبد ويَنْحَني، ويَخْفِض رأسَه، يقال: أسْجَد الرجُل: طأطأَ رَأسَه وانْحنَى، أي خَضَع، ومنه سُجُود الصلاة، وهو وضْع الجَبْهة على الأرض، ولا خُضُوع أعْظَم منه[2]انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، 2/ 241، مادة (سجد)..
- قوله: وبك آمنت: أي صدقت بك، وبكل ما أخبرت، وأمرت، ونهيت[3]شرح النووي على صحيح مسلم، 6/ 55.، والمعنى: وبك صدقت تصديقًا جازمًا بالقلب، واللسان، وعملت بما أوجبت.
- قوله: ولك أسلمت: استسلمت، وانقدت لأمرك ونهيك[4]المرجع السابق..
- قوله: سجد وجهي: خص الوجه بالسجود لأنه أشرف الأعضاء. قال ابن العربي رحمه الله: «والمراد في هذا الحديث: سجدَت جُملتي ورأسي، وقد يكنى بالوجه عن الجملة، فكيف عن الرّأس، قال الله تبارك وتعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88]، قالوا في أحد التأويلات: إلَّا هو، أي ذاته»[5]المسالك في شرح موطأ مالك، 2/ 132..
- قوله: للذي خلقه وصوره: أي جعله في صورة كريمة في أحسن شكل وأجمل هيئة، وهذا داخل في قوله: الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ [الانفطار:7]، قال الفيومي رحمه الله: «خَلَقَ اللَّهُ الْأَشْيَاءَ خَلْقًا، وَهُوَ الْخَالِقُ وَالْخَلَّاقُ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: وَلَا تَجُوزُ هَذِهِ الصِّفَةُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَصْلُ الْخَلْقِ التَّقْدِيرُ... وَالْخَلْقُ الْمَخْلُوقُ»[6]المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، 1/ 180، مادة (خلق)..
- قوله: وشق سمعه وبصره: أي فلق وهو من الشق بفتح الشين، أما الشِّق بكسرها فهو نصف الشيء، قال القرطبي رحمه الله: «أي: خلق فيه السمع والبصر»[7]المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 7/ 37..
- قوله: وصوّره: في أسماء اللَّه تعالى: المصوِّر، وهو الذي صوَّر جميع الموجودات، ورتَّبها، فأعطى كل شيء منها صورة خاصة، وهيئة منفردة يتميز بها على اختلافها وكثرتها[8]انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، 3/ 57، مادة (صور)..
- قوله: تبارك اللَّه أحسن الخالقين: تَبَارَكَ اللَّهُ، أي: تعالى وتعاظم وكثر خيره، أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ... فخلقه كله حسن، والإنسان من أحسن مخلوقاته، بل هو أحسنها على الإطلاق؛ ولهذا كان خواصه أفضل المخلوقات وأكملها، أي أن خلق اللَّه كله حسن، والإنسان هو أفضل مخلوقاته: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين:4]، أي تام الخلق متناسب الأعضاء، منتصب القامة لم يفقد مما يحتاج إليه شيئًا ظاهرًا وباطنًا[9]انظر: تفسير السعدي، ص548، وص929..
قال الإمام ابن القيم رحمه الله في قوله: أَحْسَنُ الْخَالِقِين: «أي: أحسن المصورين والمقدّرين، والعرب تقول: قدّرت الأديم، وخلقته، إذا قسته لتقطع منه مزادة، أو قربة ونحوها، قال مجاهد: يصنعون، ويصنع اللَّه، واللَّه خير الصانعين، وقال الليث: رجل خالق: أي صانع، وهن الخالقات: للنساء، وقال مقاتل: يقول تعالى هو أحسن خلقًا من الذين يخلقون التماثيل وغيرها، التي لا يتحرك منها شيء، وأما البارئ، فلا يصح إطلاقه إلا عليه سبحانه؛ فإنه الذي برأ الخليقة، وأوجدها بعد عدمها، والعبد لا تتعلق قدرته بذلك، إذ غاية مقدوره التصرف في بعض صفات ما أوجده الرب تعالى، وبرأه، وتغييرها من حال إلى حال على وجه مخصوص، لا تتعداه قدرته، ليس من هذا: بريت القلم؛ لأنه معتل لا مهموز، ولا برأت من المرض؛ لأنه فعل لازم غير متعدٍّ»[10]شفاء العليل، ص131..
وقال الإمام ابن باز رحمه الله: «ففي خلق آدم وذريته آيات بينات على قدرة الخالق سبحانه، وأنه على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، وأنه سبحانه لا يعجزه شيء، ومن المشاهد المعلوم -أيضًا- البيضة، فإنها مخلوق جماد، ثم يجعل اللَّه في ذلك الجماد الذي في داخلها -بالأسباب التي قدرها، وعلّمها عباده- طائرًا حيًّا سميعًا بصيرًا، والشواهد من مخلوقاته على قدرته العظيمة، وحكمته، وعلمه الشامل كثيرة لا تحصى، وبما ذكرنا يتضح -لطالب الحق- بطلان هذه الشبهة التي شبه بها القائل في الكلام المنسوب إليه، ويعلم ذلك أنها من أبطل الباطل نقلًا وعقلًا، ومن الدلائل القطعية على بطلانها أن اللَّه سبحانه قد خلق السموات والأرض، وخلق جميع المخلوقات الجامدة والمتحركة بقدرته العظيمة، وذلك أعظم وأكبر من جعل عصا موسى حية تسعى»[11]مجموع فتاوى ابن باز، 1/ 108..
وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: «غير اللَّه -تعالى- لا يخلق كخلق اللَّه، فلا يمكنه إيجاد معدوم، ولا إحياء ميت، وإنما خلق غير اللَّه -تعالى- يكون بالتغيير، وتحويل الشيء من صفة إلى صفة أخرى، وهو مخلوق للَّه ، فالمصور مثلًا، إذا صور صورة؛ فإنه لم يحدث شيئًا، غاية ما هنالك أنه حول شيئًا إلى شيء، كما يحول الطين إلى صورة طير، أو صورة جمل، وكما يحول بالتلوين الرقعة البيضاء إلى صورة ملونة، فالمداد من خلق اللَّه ، والورقة البيضاء من خلق اللَّه ، هذا هو الفرق بين إثبات الخلق بالنسبة إلى اللَّه ، وإثبات الخلق بالنسبة إلى المخلوق، وعلى هذا يكون اللَّه منفردًا بالخلق الذي يختص به»[12]مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين، 1/ 19..
ما يستفاد من الحديث:
- السجود لله تعالى، والإذعان لكبريائه، ثمرة من ثمار الإيمان الصادق، والذي هو نتاج لحقيقة الاستسلام بالقلب والقالب.
- استحضار المسلم لبديع خلق اللَّه، وأنه شق لعباده: سمعًا، وأبصارًا، وأفئدة، وأن العبد مسؤول عن هذه النعم: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36].
- خلق اللَّه هو: إيجاد من عدم، وخلق غيره صناعةٌ، وليس إنشاءً أصلًا، قال اللَّه تعالى: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون:14].
- تقرير أن اللَّه هو: الخالق، البارئ، المصور، وأن هذه الأسماء متعلقة بالخلق، والتدبير، والتقدير، وكل ذلك لا منازِع للَّهِ فيه.
- الفرق بين الخالق، والبارئ، والمصور:
- الخالق: قال الخطابي[13]شأن الدعاء، ص49.: هو المبدع للخلق، والمخترع له على غير مثال سابق، قال اللَّه: هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ [فاطر:3]، أما في نعوت الآدميين فمعنى الخلق هو التقدير؛ كقوله : أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ [آل عمران:49].
- البارئ: قال ابن كثير: والبرء هو الفري، وهو التنفيذ، وإبراز ما قدره وقرره إلى الوجود، وليس كل من قدر شيئًا، ورتبه يقدر على تنفيذه، وإيجاده سوى اللَّه .
- المصوِّر: هو الذي أنشأ خلقه على صور مختلفة، وهيئات متباينة من: الطول، والقصر، والحسن، والقبح، والذكورة، والأنوثة، كل واحد بصورته الخاصة.
- معتقد أهل السنة والجماعة أن اللَّه لم يزل خالقًا متى شاء، وكيف شاء، ولا يزال؛ لقوله: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ [القصص:68]، وأنه له صفة الخلق قبل أن يخلق، قال الطحاوي رحمه الله[14]انظر: شرح العقيدة الطحاوية، ص137.: وليس بعد الخلق استفاد اسم الخالق، ولا بإحداثه البرية استفاد اسم البارئ، وذلك من كماله، ولا يجوز أن يكون فاقدًا لهذا الكمال، أو معطلًا له في وقت من الأوقات، قال اللَّه: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [النحل:17].
ويدخل في جملة مخلوقاته أفعال العباد، وأنهم مؤاخذون عليها، وهي واقعة بمشيئته وقدرته: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات:96]، وقال : وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان:30]، وقال : اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر:62].
| ^1 | لسان العرب، 13/ 470، مادة (أله)، وتقدم مستوفى في شرح المفردة رقم 6 من مفردات حديث المتن رقم 1. |
|---|---|
| ^2 | انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، 2/ 241، مادة (سجد). |
| ^3 | شرح النووي على صحيح مسلم، 6/ 55. |
| ^4 | المرجع السابق. |
| ^5 | المسالك في شرح موطأ مالك، 2/ 132. |
| ^6 | المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، 1/ 180، مادة (خلق). |
| ^7 | المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 7/ 37. |
| ^8 | انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، 3/ 57، مادة (صور). |
| ^9 | انظر: تفسير السعدي، ص548، وص929. |
| ^10 | شفاء العليل، ص131. |
| ^11 | مجموع فتاوى ابن باز، 1/ 108. |
| ^12 | مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين، 1/ 19. |
| ^13 | شأن الدعاء، ص49. |
| ^14 | انظر: شرح العقيدة الطحاوية، ص137. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط