تخطى إلى المحتوى

166- اللهم إني أسألك خيرها

toc كتاب حصن المسلم من أذكار الكتاب والسنة 262

اللهم إني أسألك خيرها، وأعوذ بك من شرِّها[1]رواه مسلم: 899..

^1 رواه مسلم: 899.

شرح مفردات الحديث:

  1. قوله: اللهم إني أسألك من خيرها: قال البجيرمي رحمه الله: «سَأَلَ اللَّهَ خَيْرَ الْمَجْمُوعَةِ، لِأَنَّهَا لِلرَّحْمَةِ»[1]تحفة الحبيب على شرح الخطيب (حاشية البجيرمي على الخطيب)، لسليمان بن محمد بن عمر البُجَيْرَمِيّ المصري … Continue reading.
    وقال الصنعاني رحمه الله: «فإنها جند من أجناد اللَّه، يأتي بالخير والشر، فلا يجوز سبّها، بل ينتقل إلى سؤال من أرسلها؛ طلبًا لخيرها، وإعاذة من شرها»[2]التنوير شرح الجامع الصغير، 11/ 105..
  2. قوله: وأعوذ بك من شرها: قال البجيرمي رحمه الله: «وَتَعَوَّذَ بِهِ مِنْ شَرِّ الْمُفْرَدَةِ؛ لِأَنَّهَا لِلْعَذَابِ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الْأُسْلُوبُ فِي كَلَامِ عَلَّامِ الْغُيُوبِ»[3]حاشية البجيرمي على الخطيب، 2/ 250..
    وقال الشوكاني رحمه الله: «وبهذا يعرف أن الريح قد تأتي بالخير وقد تأتي بالشر»[4]تحفة الذاكرين بعدة الحصن الحصين للشوكاني، ص262..
  3. قوله: من روح اللَّه: أي: من رحمة اللَّه بخلقه، وهذا كقوله: وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [يوسف:87]. قال ابن الأثير رحمه الله: «أَيْ: مِنْ رَحْمَتِه بِعباده»[5]النهاية في غريب الحديث والأثر، 2/ 272، مادة (روح)..
    وقال الطيبي رحمه الله: «قوله: الريح من روح اللَّه: الروح: النفس، وقد أراح الإنسان إذا تنفس... فإن قيل: كيف يكون الريح من روح اللَّه، أي: من رحمته، مع أنه يجيء بالعذاب؟ فجوابه من وجهين: أحدهما: أن الريح إذا جاءت لعذاب قوم ظالمين كانت رحمةً لقوم مؤمنين»[6]شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 4/ 1327..
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «أَيْ: مِن الرُّوحِ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ؛ فَإِضَافَةُ الرُّوحِ إلَى اللَّهِ إضَافَةُ مِلْكٍ لَا إضَافَةُ وَصْفٍ؛ إذْ كُلُّ مَا يُضَافُ إلَى اللَّهِ إنْ كَانَ عَيْنًا قَائِمَةً بِنَفْسِهَا فَهُوَ مِلْكٌ لَهُ، وَإِنْ كَانَ صِفَةً قَائِمَةً بِغَيْرِهَا لَيْسَ لَهَا مَحَلٌّ تَقُومُ بِهِ فَهُوَ صِفَةٌ لِلَّهِ»[7]مجموع الفتاوى، 9/ 290..
  4. قوله: تأتي بالرحمة: وذلك إذا أتت بمطر في الجدب، أو هبت في وقت حر، وغير ذلك مما يترتب عليه منفعة للخلق.
  5. قوله: وتأتي بالعذاب: وذلك بهدم البيوت، وإثارة الغبار، وتكسير الأشجار، وتفريق السحاب الذي يُطمع فيه المطر، وغير ذلك[8]انظر: العلم الهيب، ص410..
  6. قوله: فلا تسبوها: أي: لا تقولوا فيها كلامًا قبيحًا كالشتم واللعن. قال ابن منظور: «السَّبُّ القَطْعُ، سَبَّه سَبًّا قَطَعه... وسُبَّ، أَيْ: عُيِّر بالبُخْلِ، فسَبَّ عَراقيبَ إِبله أَنَفةً مما عُيِّر به، كالسيف يسمى سَبَّابَ العَراقيب؛ لأَنه يَقْطَعُها، وسَبْسَبَ: إِذا قَطَع رَحِمه، والتَّسابُّ: التَّقاطُعُ، والسَّبُّ: الشَّتْم، وهو مصدر سَبَّه يَسُبُّه سَبًّا: شَتَمَه، وأَصله من ذلك، وسَبَّبه: أَكثر سَبَّه... والسُّبَّة: العارُ، ويقال صار هذا الأَمر سُبَّةً عليهم -بالضم-، أَي: عارًا يُسَبُّ به، ويقال: بينهم أُسْبوبة يَتَسابُّونَ بها، أَي: شيء يَتشاتَمُونَ به، والتَّسابُّ: التَّشاتُم، وتَسابُّوا: تَشاتَمُوا»[9]لسان العرب، 1/ 455، مادة (سب)..
  7. قوله: اللهمّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ الرِّيحِ، وَمِنْ خَيْرِ مَا فِيهَا: قال الراغب الأصفهاني: «السؤال: استدعاء معرفة أو ما يؤدي إلى المعرفة، واستدعاء مال أو ما يؤدي إلى المال، فاستدعاء المعرفة جوابه على اللسان، واليد خليفة له بالكتابة أو الإشارة، واستدعاء المال جوابه على اليد، واللسان خليفة لها إما بوعد أو بردّ»[10]مفردات ألفاظ القرآن، 1/ 516، مادة (سول)..
    وقال في تعريف الخير: «الخير: ما يرغب فيه الكل، كالعقل مثلًا والعدل والفضل والشيء النافع، وضده: الشر. قيل: والخير ضربان: خير مطلق، وهو أن يكون مرغوبًا فيه بكل حال... وخير وشر مقيدان، وهو أن يكون خيرًا لواحد شرًّا لآخر، كالمال الذي ربما يكون خيرًا لزيد وشرًّا لعمرو»[11]مفردات ألفاظ القرآن، 1/ 327، مادة (خير)..
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «فَأَخْبَرَ أَنَّهَا تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ، وَأَمَرَ أَنْ نَسْأَلَ اللَّهَ مِنْ خَيْرِهَا وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا، فَهَذِهِ السُّنَّةُ فِي أَسْبَابِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ؛ أَنْ يَفْعَلَ الْعَبْدُ عِنْدَ أَسْبَابِ الْخَيْرِ الظَّاهِرَةِ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مَا يَجْلِبُ اللَّهُ بِهِ الْخَيْرَ، وَعِنْدَ أَسْبَابِ الشَّرِّ الظَّاهِرَةِ مِنْ الْعِبَادَاتِ مَا يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ عَنْهُ الشَّرَّ، فَأَمَّا مَا يَخْفَى مِنْ الْأَسْبَابِ فَلَيْسَ الْعَبْدُ مَأْمُورًا بِأَنْ يَتَكَلَّفَ مَعْرِفَتَهُ، بَلْ إذَا فَعَلَ مَا أُمِرَ وَتَرَكَ مَا حُظِرَ كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ الشَّرِّ وَيَسَّرَ لَهُ أَسْبَابَ الْخَيْرِ»[12]الفتاوى الكبرى، 1/ 60..
    وقال الراغب في تعريف الشر: «الشر: الذي يرغب عنه الكل، كما أن الخير هو الذي يرغب فيه الكل... ورجل شر وشرير: متعاط للشر، وقوم أشرار، وقد أشررته: نسبته إلى الشر، وقيل: أشررت كذا وأشررته: إذا نسبته إلى الشر، والشر بالضم خص بالمكروه، وشَرار النار: ما تطاير منها، وسميت بذلك لاعتقاد الشر فيه»[13]مفردات ألفاظ القرآن، 1/ 529، مادة (شر)..
  8. قوله: نفس الرحمن: قال الراغب الأصفهاني رحمه الله: «والنَّفَس: الريح الداخل والخارج في البدن من الفم والمنخر، وهو كالغذاء للنفس، وبانقطاعه بطلانها... وقوله عليه الصلاة والسلام: لا تسبوا الريح؛ فإنها من نفس الرحمن، أي: مما يفرج بها الكرب. يقال: اللهم نفس عني، أي: فرج عني، وتنفست الريح: إذا هبت طيبة»[14]مفردات ألفاظ القرآن، 2/ 446، مادة (نفس)..
    وقال ابن الأثير رحمه الله: «يُريد بِهَا أنَّها تُفَرِّج الكَرْب، وتُنْشِئُ السَّحاب، وتَنْشُر الغَيْث، وتُذْهِب الجَدْب. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: النَّفَسُ فِي هَذيْن الحَديثَين: اسْمٌ وُضِعَ مَوْضعَ المصْدَرِ الْحَقِيقِيِّ، مِنْ نَفَّسَ يُنَفِّسُ تَنْفِيسًا ونَفَسًا، كَمَا يقالُ: فَرّج يُفَرِّجُ تَفْريجًا وفَرَجًا، كَأَنَّهُ قَالَ: أجِدُ تَنْفيسَ ربِّكُم مِنْ قِبَلِ اليَمنِ، وإنَّ الرِّيح مِنْ تَنْفِيسِ الرَّحْمَنِ بِهَا عَنِ الْمَكْرُوبِينَ»[15]النهاية في غريب الحديث والأثر، 5/ 94، مادة (نفس)..
    وقال ابن الجوزي رحمه الله: «وكذلك لا تَسُبُّوا الريحَ فإِنّها من نَفَسِ الرَّحْمَن، أي: أنَّها تُفَرِّج الكربَ»[16]غريب الحديث لابن الجوزي، 2/ 425..

ما يستفاد من الحديث:

  1. الريح من الآيات الباهرات الدالة على قدرة خالقها ومسيرها اللَّه ، قال اللَّه تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ [الأعراف:57]، وقال: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ [الروم:46].
  2. الريح لا تتحرك إلا بأمر اللَّه تعالى، فهي جند من جنوده: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر:31]؛ ولذلك فإن من سبها فقد تطاول على خالقه وخالقها، وكذلك كل الآيات الكونية كالخسوف والكسوف وغيرهما.
    قال الإمام الشافعي: «لاَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَسُبَّ الرِّيحَ فَإِنَّهَا خَلْقُ اللَّهِ مُطِيعٌ، وَجُنْدٌ مِنْ أَجْنَادِهِ، يَجْعَلُهَا رَحْمَةً وَنِقْمَةً إذَا شَاءَ»[17]الأم للشافعي، 2/ 556..
  3. المسلم حال قوله لهذا الدعاء يتذكر فعل اللَّه بعاد؛ حيث سلط عليهم الريح فأهلكتهم، قال اللَّه : وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ۝ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ۝ فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ [الحاقة:6- 8].
    ومعنى صَرْصَرٍ، أي: قوية شديدة الهبوب، لها صوت أبلغ من صوت الرعد القاصف.
    ومعنى عَاتِيَةٍ، أي: عتت على خزانها، وزادت على الحد.
    ومعنى حُسُومًا، أي: نحسًا وشرًّا عليهم حتى دمرتهم[18]تفسير السعدي، ص882..

^1 تحفة الحبيب على شرح الخطيب (حاشية البجيرمي على الخطيب)، لسليمان بن محمد بن عمر البُجَيْرَمِيّ المصري الشافعي، 2/ 250.
^2 التنوير شرح الجامع الصغير، 11/ 105.
^3 حاشية البجيرمي على الخطيب، 2/ 250.
^4 تحفة الذاكرين بعدة الحصن الحصين للشوكاني، ص262.
^5 النهاية في غريب الحديث والأثر، 2/ 272، مادة (روح).
^6 شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 4/ 1327.
^7 مجموع الفتاوى، 9/ 290.
^8 انظر: العلم الهيب، ص410.
^9 لسان العرب، 1/ 455، مادة (سب).
^10 مفردات ألفاظ القرآن، 1/ 516، مادة (سول).
^11 مفردات ألفاظ القرآن، 1/ 327، مادة (خير).
^12 الفتاوى الكبرى، 1/ 60.
^13 مفردات ألفاظ القرآن، 1/ 529، مادة (شر).
^14 مفردات ألفاظ القرآن، 2/ 446، مادة (نفس).
^15 النهاية في غريب الحديث والأثر، 5/ 94، مادة (نفس).
^16 غريب الحديث لابن الجوزي، 2/ 425.
^17 الأم للشافعي، 2/ 556.
^18 تفسير السعدي، ص882.