القارئ: حمد الدريهم
keyboard_arrow_down
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان يُعَدُّ لرسول الله في المجلس الواحد مئةُ مرةٍ من قبل أن يقوم: رب اغفر لي، وتُبْ عليَّ؛ إنك أنت التواب الغفور[1]رواه أبو داود: 1516، والترمذي: 3434 واللفظ له، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1357..
| ^1 | رواه أبو داود: 1516، والترمذي: 3434 واللفظ له، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1357. |
|---|
جدول المحتويات
شرح مفردات الحديث:
- قوله: «كان يعد لرسول اللَّه في المجلس الواحد مائة مرة»: قال ابن فارس رحمه الله: «فالعَدُّ: إحصاء الشيء، تقول: عددت الشيءَ أعُدُّه عَدًّا، فأنا عادٌّ، والشيء معدود، والعَديد: الكثرة، وفلانٌ في عِداد الصَّالحين، أي: يُعَدُّ معهم، والعَدَد: مقدار ما يُعَدُّ، ويقال: ما أكثَرَ عديدَ بني فلان وعَدَدهم، وإنّهم ليتعادُّون ويتعدَّدُون على عشرة آلاف، أي: يزيدون عليها»[1]معجم مقاييس اللغة لابن فارس، 4/ 29، مادة (عدد)..
قال الطيبي رحمه الله: «المعنى: كنا نكثر أن نعد لرسول اللَّه قول: رب اغفر لي مائة مرة»[2]شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 6/ 1855.. - قوله: رب اغفر لي: أي: أطلب منك المغفرة، وهي الصفح عن الذنوب وتبديلها إلى حسنات.
قال ابن الجوزي رحمه الله: «الغفران: تغطية الذنب بالعفو عنه، والغفر: الستر، وغَفْرُ الخزِّ والصوفِ: ما علا فوق الثوب منها»[3]كشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي، ص12..
وقال الإمام النووي رحمه الله: «ومعنى سؤاله المغفرة مع أنه مغفور له: أنه يسأل ذلك تواضعًا وخضوعًا وإشفاقًا وإجلالًا، وليقتدى به في أصل الدعاء والخضوع وحسن التضرع في هذا الدعاء المعين»[4]شرح النووي على صحيح مسلم، 6/ 56، وتقدم مستوفى في شرح المفردة رقم 9 من شرح مفردات الحديث رقم 79 من أحاديث المتن.. - قوله: وتب علي، أي: وفقني لتوبة نصوح تقبلها مني، وتَجُبُّ بها ما مضى من الذنوب.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «والتَّوبَة: تَرك الذَّنب عَلَى أَحَد الأَوجُه، وفِي الشَّرع: تَرك الذَّنب لِقُبحِهِ، والنَّدَم عَلَى فِعله، والعَزم عَلَى عَدَم العَود، ورَدّ المَظلِمَة إِن كانَت أَو طَلَب البَراءَة مِن صاحِبها، وهِيَ أَبلَغ ضُرُوب الاعتِذار؛ لأَنَّ المُعتَذِر إِمّا أَن يَقُول: لا أَفعَل، فَلا يَقَع المَوقِع عِند مَن اعتَذَرَ لَهُ؛ لِقِيامِ احتِمال أَنَّهُ فَعَلَ، لا سِيَّما إِن ثَبَتَ ذَلِكَ عِنده عَنهُ. أَو يَقُول: فَعَلت لأَجلِ كَذا ويَذكُر شَيئًا يُقِيم عُذره، وهُو فَوق الأَوَّل. أَو يَقُول: فَعَلت ولَكِن أَسَأت، وقَد أَقلَعت، وهَذا أَعلاهُ. انتَهَى مِن كَلام الرّاغِب مُلَخَّصًا.
وقالَ القُرطُبِيّ فِي المُفهِم: اختَلَفَت عِبارات المَشايِخ فِيها، فَقائِل يَقُول: إِنَّها النَّدَم، وآخَر يَقُول: إِنَّها العَزم عَلَى أَن لا يَعُود، وآخَر يَقُول: الإِقلاع عَن الذَّنب، ومِنهُم مَن يَجمَع بَين الأُمُور الثَّلاثَة، وهُو أَكمَلها، غَير أَنَّهُ مَعَ ما فِيهِ غَير مانِع ولا جامِع. أَمّا أَوَّلًا فَلأَنَّهُ قَد يَجمَع الثَّلاثَة ولا يَكُون تائِبًا شَرعًا؛ إِذ قَد يَفعَل ذَلِكَ شُحًّا عَلَى ماله، أَو لِئَلَّا يُعَيِّرهُ النّاس بِهِ، ولا تَصِحّ التَّوبَة الشَّرعِيَّة إِلَّا بِالإِخلاصِ، ومَن تَرَكَ الذَّنب لِغَيرِ الله لا يَكُون تائِبًا اتِّفاقًا. وأَمّا ثانِيًا فَلأَنَّهُ يَخرُج مِنهُ مَن زَنَى مَثَلًا ثُمَّ جُبَّ ذَكَره؛ فَإِنَّهُ لا يَتَأَتَّى مِنهُ غَير النَّدَم عَلَى ما مَضَى»[5]فتح الباري، 11/ 103.. - قوله: إنك أنت التواب: أي: الذي يتوب على عبده ويقبل توبته؛ كلما تكررت التوبة تكرر القبول[6]شأن الدعاء، للخطابي، ص90..
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «وقَد قالَ الحَلِيمِيّ فِي تَفسِير التَّوّاب فِي الأَسماء الحُسنَى: إِنَّهُ العائِد عَلَى عَبده بِفَضلِ رَحمَته كُلَّما رَجَعَ لِطاعَتِهِ ونَدِمَ عَلَى مَعصِيَته، فَلا يُحبِط عَنهُ ما قَدَّمَهُ مِن خَير، ولا يَحرِمهُ ما وعَدَ بِهِ الطّائِع مِنَ الإِحسان. وقالَ الخَطّابِيُّ: التَّوّاب: الَّذِي يَعُود إِلَى القَبُول كُلَّما عادَ العَبد إِلَى الذَّنب وتابَ»[7]فتح الباري، 11/ 104.. - قوله: الغفور: الذي يكثر الستر على المذنبين من عباده، ويزيد عفوه على مؤاخذته[8]البيهقي في الأسماء والصفات، ص55..
قال ابن منظور: «الغَفُورُ الغَفّارُ... السَّاتِرُ لِذُنُوبِ عِبَادِهِ، الْمُتَجَاوِزُ عَنْ خَطَايَاهُمْ وَذُنُوبِهِمْ... وأَصل الغَفْرِ: التَّغْطِيَةُ وَالسَّتْرُ، غَفَرَ اللَّهُ ذُنُوبَهُ، أي: سَتَرَهَا... وَقَدْ غَفَرَه يَغْفِرُه غَفرًا: سَتَرَهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ سَتَرْتَهُ، فَقَدْ غَفَرْته... وَمِنْهُ: غَفَرَ اللَّهُ ذُنُوبَهُ، أي: سَتَرَهَا... والغَفْرُ والمَغْفِرةُ: التَّغْطِيَةُ عَلَى الذُّنُوبِ، والعفوُ عَنْهَا»[9]لسان العرب، 5/ 25، مادة (غفر)، وتقدم في شرح المفردة الثانية من ألفاظ الحديث رقم 48 من أحاديث المتن.. - قوله: إنك أنت التواب الرحيم: قال الطبري رحمه الله: «إنك أنت العائد على عبادك بالفضل، والمتفضل عليهم بالعفو والغفران، الرحيم بهم، المستنقذ من تشاء منهم برحمتك من هلكته، المنجي من تريد نجاته منهم برأفتك من سخطك»[10]تفسير الطبري، 3/ 82..
ما يستفاد من الحديث:
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «وقَد استشكل وُقُوع الاستِغفار مِنَ النَّبِيّ وهُو مَعصُوم، والاستِغفار يَستَدعِي وُقُوع مَعصِيَة. وأُجِيبَ بِعِدَّةِ أَجوِبَة:
- مِنها: ما تَقَدَّمَ فِي تَفسِير الغَين.
- ومِنها: قَول ابن الجَوزِيّ: هَفَوات الطِّباع البَشَرِيَّة لا يَسلَم مِنها أَحَد، والأَنبِياء وإِن عُصِمُوا مِنَ الكَبائِر فَلَم يُعصَمُوا مِنَ الصَّغائِر. كَذا قالَ، وهُو مُفَرَّع عَلَى خِلاف المُختار، والرّاجِح عِصمَتهم مِنَ الصَّغائِر أَيضًا.
- ومِنها: قَول ابن بَطّال: الأَنبِياء أَشَدّ النّاس اجتِهادًا فِي العِبادَة لِما أَعطاهُم الله تَعالَى مِنَ المَعرِفَة، فَهُم دائِبُونَ فِي شُكره، مُعتَرِفُونَ لَهُ بِالتَّقصِيرِ. انتَهَى. ومُحَصَّل جَوابه: أَنَّ الاستِغفار مِنَ التَّقصِير فِي أَداء الحَقّ الَّذِي يَجِب لِلَّهِ تَعالَى، ويَحتَمِل أَن يَكُون لاشتِغالِهِ بِالأُمُورِ المُباحَة مِن أَكل أَو شُرب أَو جِماع أَو نَوم أَو راحَة، أَو لِمُخاطَبَةِ النّاس والنَّظَر فِي مَصالِحهم، ومُحارَبَة عَدُوّهُم تارَة ومُداراته أُخرَى، وتَألِيف المُؤَلَّفَة وغَير ذَلِكَ مِمّا يَحجُبهُ عَن الاشتِغال بِذِكرِ الله والتَّضَرُّع إِلَيهِ ومُشاهَدَته ومُراقَبَته، فَيَرَى ذَلِكَ ذَنبًا بِالنِّسبَةِ إِلَى المَقام العَلِيّ، وهُو الحُضُور فِي حَظِيرَة القُدس.
- ومِنها: أَنَّ استِغفاره تَشرِيع لأُمَّتِهِ، أَو مِن ذُنُوب الأُمَّة، فَهُو كالشَّفاعَةِ لَهُم»[11]فتح الباري، 11/ 101.[12]انظر طرفًا مما يتعلق بالتوبة في الأحاديث: رقم 14، ورقم 96، ورقم 248، ورقم 249، ورقم 250..
| ^1 | معجم مقاييس اللغة لابن فارس، 4/ 29، مادة (عدد). |
|---|---|
| ^2 | شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 6/ 1855. |
| ^3 | كشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي، ص12. |
| ^4 | شرح النووي على صحيح مسلم، 6/ 56، وتقدم مستوفى في شرح المفردة رقم 9 من شرح مفردات الحديث رقم 79 من أحاديث المتن. |
| ^5 | فتح الباري، 11/ 103. |
| ^6 | شأن الدعاء، للخطابي، ص90. |
| ^7 | فتح الباري، 11/ 104. |
| ^8 | البيهقي في الأسماء والصفات، ص55. |
| ^9 | لسان العرب، 5/ 25، مادة (غفر)، وتقدم في شرح المفردة الثانية من ألفاظ الحديث رقم 48 من أحاديث المتن. |
| ^10 | تفسير الطبري، 3/ 82. |
| ^11 | فتح الباري، 11/ 101. |
| ^12 | انظر طرفًا مما يتعلق بالتوبة في الأحاديث: رقم 14، ورقم 96، ورقم 248، ورقم 249، ورقم 250. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط