القارئ: حمد الدريهم
keyboard_arrow_down
قال : لا تجعلوا قبري عيدًا، وصلُّوا عليَّ؛ فإنَّ صلاتكم تَبْلُغُني حيث كنتم[1]رواه بنحوه: أبو داود: 2042، وأحمد: 8804، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1780..
| ^1 | رواه بنحوه: أبو داود: 2042، وأحمد: 8804، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1780. |
|---|
جدول المحتويات
شرح مفردات الحديث:
- قوله: لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «يَعْنِي: أَنَّ الْقُبُورَ مَوْضِعُ الْمَوْتَى، فَإِذَا لَمْ تُصَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ وَلَمْ تَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهَا كُنْتُمْ كَالْمَيِّتِ، وَكَانَتْ كَالْقُبُورِ»[1]الفتاوى الكبرى، لشيخ الإسلام ابن تيمية، 3/ 73..
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، أي: لا تتركوا الصلاة في بيوتكم حتى تجعلوها كالقبور التي لا يُصلَّى فيها»[2]حاشية ابن القيم على سنن أبي داود، 6/ 22، وتقدم في شرح المفردة رقم 2 من مفردات حديث المتن رقم 143..
وقال الطيبي رحمه الله: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، معناه: لا تجعلوا بيوتكم كالقبور الخالية عن ذكر اللَّه تعالى وعبادته؛ لأنها غير صالحة لها، وكذلك لا تجعلوا القبور كالبيوت محلًّا للاعتياد لحوائجكم، ومكانًا للعبادة والصلاة، أو مرجعًا للسرور والزينة كالعيد»[3]شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 3/ 1043.. - قوله: وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا: قال ابن القيم: العيد ما يعتاد مجيؤه وقصده من زمان ومكان، مأخوذ من المعاودة والاعتياد.
وقال الطيبي رحمه الله: «أي: لا تتكلفوا المعاودة إلى قبري؛ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم. قلت: لا ارتياب أن الصلاة في الحضور مشافهة أفضل من الغيبة، لكن المنهي عنه هو الاعتياد الذي يرفع الحشمة ويخالف التعظيم»[4]شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 3/ 1048..
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: «وكذلك نهيه لهم أن يتخذوا قبره عيدًا، نهي لهم أن يجعلوه مجمعًا كالأعياد التي يقصد الناس الاجتماع إليها للصلاة؛ بل يُزار قبره صلوات اللَّه وسلامه عليه كما كان يزوره الصحابة رضوان اللَّه عليهم، على الوجه الذي يرضيه ويحبه صلوات اللَّه وسلامه عليه»[5]حاشية ابن القيم على سنن أبي داود، 6/ 23، وتقدم في شرح المفردة رقم 3 من مفردات حديث المتن رقم 143.. - قوله: وصَلُّوا عليَّ: قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: «فقولك: اللهم صلِّ على محمد، يعني: اللهمّ أثنِ عليه في الملأ الأعلى، ومعنى أثنِ عليه، يعني: اذكره بالصفات الحميدة، والملأ الأعلى هم الملائكة، فكأنك إذا قلت: اللهم صل على محمد، كأنك تقول: يا ربِّ صِفْه بالصفات الحميدة، واذكره عند الملائكة؛ حتى تزداد محبتهم له، ويزداد ثوابهم بذلك. هذا معنى: اللهم صل على محمد»[6]شرح رياض الصالحين، شرح الحديث رقم 1397، وتقدم في شرح المفردة رقم 4 من مفردات حديث المتن رقم 143..
- قوله: فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم: أي: تصل إليّ. قال الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله: «عقّب النهي عن اتخاذه عيدًا بقوله: وصلّوا عليّ؛ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم؛ يشير بذلك إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم، فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيدًا»[7]إغاثة اللهفان، 1/ 192..
ما يستفاد من الحديث:
- تحريم شد الرحال إلى قبره ، واجتماع الناس عنده اجتماعهم للعيد، والالتصاق بقبره ؛ لأن هذا يفضي إلى دعائه من دون اللَّه، ومن يفعل ذلك يزعم أن هذا من باب الحب له ، فقد أخطأ. قال اللَّه : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31]، ولم يفعل ذلك أصدق الناس في محبته، وهم أصحابه رضوان اللَّه عليهم.
- إبطال حجج من يزعم أن الصلاة عليه عند قبره أفضل من الصلاة عليه بعيدًا عنه، والحديث ظاهر الدلالة في تكذيب ذلك القول الباطل، وهم يعتمدون في ذلك على جملة من الأحاديث الضعيفة والمكذوبة عليه ؛ منها[8]انظر: شرح حصن المسلم لأسامة بن عبدالفتاح، ص617.:
- «من صلى عليّ عند قبري وكل اللَّه به ملكًا يبلغني، وكفي أمر دنياه وآخرته، وكنت له يوم القيامة شهيدًا أو شفيعًا»[9]شعب الإيمان للبيهقي، 3/ 141، ذكره ابن الجوزي في الموضوعات، 1/ 303، وحكم عليه الألباني بالوضع في السلسلة الضعيفة، … Continue reading، وهو حديث مكذوب على النبي .
- من صلى عليّ عند قبري سمعته، ومن صلى عليّ من بعيد أُعلمته[10]انظر: الضعيفة، برقم 205. ذكره السيوطي في جمع الجوامع، برقم 5503، وعزاه إلى أبي الشيخ، وقال السخاوي في القول … Continue reading.
- المشروع هو شد الرحال إلى مسجده وليس إلى قبره؛ لقول النبي : لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ ، وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى[11]البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، برقم 1189.، أما من كان في مسجده فتستحب له الزيارة الشرعية، وإنما تشد الرحال إلى المساجد الثلاثة للثواب العظيم لمن صلى فيها.
- قال العظيم آبادي رحمه الله: «ويؤخذ من الحديث أن اجتماع العامة في بعض أضرحة الأولياء في يوم أو شهر مخصوص من السنة، ويقولون: هذا يوم مولد الشيخ فلان، ويأكلون ويشربون وربما يرقصون فيه؛ منهي عنه شرعًا، وعلى ولي الأمر ردعهم على ذلك، وإنكاره عليهم وإبطاله»[12]عون المعبود، 3/ 311.، وتأديبهم إن امتنعوا.
- جاء في بداية هذا الحديث: لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، أي: لا تتركوا صلاة النافلة وقراءة القرآن في بيوتكم فتكون كالقبور، وقيل: المراد: لا تدفنوا في البيوت[13]عون المعبود، 3/ 310. وقد نهى عن ذلك أشد النهي، وكان ذلك قبل موته بليالٍ قليلة؛ حرصًا منه على دعوة التوحيد التي بعثه اللَّه من أجلها.
ومن ذلك قول النبي :- لعن اللَّه اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد[14]البخاري، كتاب الجنائز، باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور، برقم 1330..
- لا تتخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك[15]مسلم، برقم 532، وانظر كتاب «تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد» للشيخ الألباني رحمه الله، ص15.[16]انظر: شرح حصن المسلم، لأسامة بن عبدالفتاح، ص619..
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «كَانَ النَّبِيُّ يُحَقِّقُ هَذَا التَّوْحِيدَ لِأُمَّتِهِ، وَيَحْسِمُ عَنْهُمْ مَوَادَّ الشِّرْكِ؛ إذْ هَذَا تَحْقِيقُ قَوْلِنَا: «لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ»؛ فَإِنَّ الْإِلَهَ هُوَ الَّذِي تَأْلَهُهُ الْقُلُوبُ؛ لِكَمَالِ الْمَحَبَّةِ وَالتَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ وَالْإِكْرَامِ وَالرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ... حَتَّى قَالَ لَهُمْ... لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ مَا كُنْتُمْ»[17]مجموع الفتاوى، 1/ 136..
- وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: «لا تجعلوا القبر عيدًا تكرمونه بالمجيء إليه كل سنة مرة أو مرتين، أو ما أشبه ذلك، وفيه دليل على تحريم شد الرحل لزيارة قبر النبي ، وأن الإنسان إذا أراد الذهاب إلى المدينة لا يقصد أن يسافر من أجل زيارة قبر الرسول ، ولكن يسافر من أجل الصلاة في مسجده؛ لأن الصلاة في مسجده خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام.
قال: وصلوا علي؛ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم: إذا صليت على الرسول فإن صلاتك تبلغه حيثما كنت؛ في بر، أو بحر، أو جو، قريبًا كنت أو بعيدًا»[18]شرح رياض الصالحين، شرح الحديث رقم 1404..
| ^1 | الفتاوى الكبرى، لشيخ الإسلام ابن تيمية، 3/ 73. |
|---|---|
| ^2 | حاشية ابن القيم على سنن أبي داود، 6/ 22، وتقدم في شرح المفردة رقم 2 من مفردات حديث المتن رقم 143. |
| ^3 | شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 3/ 1043. |
| ^4 | شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 3/ 1048. |
| ^5 | حاشية ابن القيم على سنن أبي داود، 6/ 23، وتقدم في شرح المفردة رقم 3 من مفردات حديث المتن رقم 143. |
| ^6 | شرح رياض الصالحين، شرح الحديث رقم 1397، وتقدم في شرح المفردة رقم 4 من مفردات حديث المتن رقم 143. |
| ^7 | إغاثة اللهفان، 1/ 192. |
| ^8 | انظر: شرح حصن المسلم لأسامة بن عبدالفتاح، ص617. |
| ^9 | شعب الإيمان للبيهقي، 3/ 141، ذكره ابن الجوزي في الموضوعات، 1/ 303، وحكم عليه الألباني بالوضع في السلسلة الضعيفة، برقم 203. |
| ^10 | انظر: الضعيفة، برقم 205. ذكره السيوطي في جمع الجوامع، برقم 5503، وعزاه إلى أبي الشيخ، وقال السخاوي في القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع، ص160: «أخرجه أبو الشيخ في الثواب له من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عنه، ومن طريقه الديلمي، وقال ابن القيم: إنه غريب. قلت: وسنده جيد كما أفاده شيخنا» [وشيخ السخاوي هو الحافظ ابن حجر رحمه الله]. |
| ^11 | البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، برقم 1189. |
| ^12 | عون المعبود، 3/ 311. |
| ^13 | عون المعبود، 3/ 310. |
| ^14 | البخاري، كتاب الجنائز، باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور، برقم 1330. |
| ^15 | مسلم، برقم 532، وانظر كتاب «تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد» للشيخ الألباني رحمه الله، ص15. |
| ^16 | انظر: شرح حصن المسلم، لأسامة بن عبدالفتاح، ص619. |
| ^17 | مجموع الفتاوى، 1/ 136. |
| ^18 | شرح رياض الصالحين، شرح الحديث رقم 1404. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط