تخطى إلى المحتوى

228- إذا سمعتم صياح الدِّيَكة

toc كتاب حصن المسلم من أذكار الكتاب والسنة 262

إذا سمعتم صياح الدِّيَكة فاسألوا الله من فضله؛ فإنها رأت مَلَكًا، وإذا سمعتم نَهِيق الحِمار فتعوَّذوا بالله من الشيطان؛ فإنه رأى شيطانًا[1]رواه البخاري: 3303 واللفظ له، ومسلم: 2729..

^1 رواه البخاري: 3303 واللفظ له، ومسلم: 2729.

شرح مفردات الحديث:

  1. قوله: إذا سمعتم صياح الديكة: الديكة: جمع ديك، وهو ذكر الدجاج[1]وقد سمي الدجاج دجاجًا لإسراعه في الإقبال والإدبار، من: دجَّ يدج إذا أسرع، ودجاجة: اسم امرأة، فتح الباري، 6/ 353..
    قال الطيبي رحمه الله: «لعل المعنى: أن الديك أقرب الحيوانات صوتًا إلى الذاكرين اللَّه؛ لأنها تحفظ غالبًا أوقات الصلوات، وأنكر الأصوات صوت الحمير، فهو أقربها صوتًا إلى من هو أبعد من رحمة اللَّه تعالى»[2]شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 6/ 1892..
  2. قوله: فاسألوا اللَّه من فضله: أي: قولوا: اللَّهم إنا نسألك من فضلك.
    قال الراغب الأصفهاني رحمه الله: «الفضل: الزيادة عن الاقتصاد، وذلك ضربان: محمود كفضل العلم والحلم، ومذموم كفضل الغضب على ما يجب أن يكون عليه، والفضل في المحمود أكثر استعمالًا»[3]مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهاني، 2/ 196..
    وقال المناوي رحمه الله: «فسلوا اللَّه من فضله، أي: زيادة إنعامه عليكم»[4]فيض القدير، 1/ 380..
    وقال ابن علان رحمه الله: «فاسأل أن يعطيك اللَّه مطلوبك، قال تعالى: وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ [النساء:32]، ولا تسأل غيره؛ فإن خزائن الوجود بيده تعالى، وأزمتها إليه؛ إذ لا قادر ولا معطي ولا متفضل غيره، فهو أحق أن يقصد ويسأل، ولا فائدة في سؤال الخلق؛ إذ لا يملكون نفعًا ولا ضرًّا لأنفسهم، فضلًا عن غيرهم»[5]دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، 1/ 234..
  3. قوله: فإنها رأت ملكًا: قال ابن هبيرة رحمه الله: «ولما كانت الديكة يؤنس إلى أصواتها من حيث إنها في الليل توقظ النائم لأفضل الأوقات للذكر، وهو وقت السحر، كانت عند رؤية الملائكة يثور صاحبها، فيذكر اللَّه سبحانه حينئذ، ويسأل من فضله»[6]الإفصاح عن معاني الصحاح، 6/ 291..
  4. قوله: وإذا سمعتم نهيق الحمار: أي: صوته المنكر، قال اللَّه : إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [لقمان:19]، ويقال: النهاق والنهق.
    قال ابن منظور رحمه الله: «نهق: نُهَاقُ الْحِمَارِ: صَوْتُهُ، والنَّهِيقُ: صَوْتُ الْحِمَارِ... نَهْقًا ونَهِيقًا ونُهَاقًا وتَنْهاقًا: صوَّت... والنّاهِقان: عَظْمَانِ شَاخِصَانِ يَنْدُران مِنْ ذِي الْحَافِرِ فِي مَجْرَى الدَّمْعِ يَخْرُجُ مِنْهُمَا النُّهَاقُ، وَيُقَالُ لَهُمَا أَيضًا: النَّوَاهق... والنّاهِقُ والنَّواهِقُ مِنَ الْحَمِيرِ: حَيْثُ يَخْرُجُ النُّهاق مِنْ حُلُوقِهَا، وَهِيَ مِنَ الْخَيْلِ: الْعِظَامُ النَّاتِئَةُ فِي خُدُودِهَا»[7]لسان العرب، 10/ 361، مادة (نهق)..
    وقال ابن الملقن رحمه الله: «وأما التعوذ بعد نهيق الحمار، فلأن الشيطان إذا حضر يُخاف شرُّه، فيُتعوَّذ منه»[8]التوضيح لشرح الجامع الصحيح، 19/ 244..
    وقال الدميري رحمه الله: «وإنما أمرنا بالتعوذ من الشيطان عند نهيق الحمير؛ لأن الشيطان يُخاف من شره عند حضوره، فينبغي أن يتعوذ منه. انتهى»[9]حياة الحيوان الكبرى، 1/ 479..
  5. قوله: فتعوذوا باللَّه من الشيطان: أعذته باللَّه أعيذه، أي: ألتجئ إليه، وأستنصر به أن أفعل ذلك؛ فإن ذلك سوء أتحاشى من تعاطيه[10]انظر: مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهاني، 2/ 136..
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «فَإِنَّ الْمُسْتَعَاذَ مِنْهُ نَوْعَانِ: نَوْعٌ مَوْجُودٌ يُسْتَعَاذُ مِنْ ضَرَرِهِ الَّذِي لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ، وَنَوْعٌ مَفْقُودٌ يُسْتَعَاذُ مِنْ وُجُودِهِ؛ فَإِنَّ نَفْسَ وُجُودِهِ ضَرَرٌ. مِثَالُ الْأَوَّلِ: «أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»، وَمِثَالُ الثَّانِي: التعوذ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ»[11]انظر: مجموع الفتاوى، لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، 18/ 288، وتقدم مستوفى في آخر شرح المفردة الأولى من مفردات … Continue reading.
    وقال الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله: «ولما كان الشيطان على نوعين: نوع يُرى عِيانًا وهو شيطان الإنس ونوع لا يرى، وهو شيطان الجن، أمر نبيه أن يكتفي من شر شيطان الإنس بالإعراض عنه والعفو والدفع بالتي هي أحسن، ومن شيطان الجن بالاستعاذة باللَّه منه... والاستعاذة في القراءة والذكر أبلغ في دفع شر شياطين الجن»[12]زاد المعاد، لابن القيم، 2/ 420، وتقدم مستوفى في شرح المفردة التاسعة من مفردات حديث المتن رقم 133..
  6. قوله: فإنه رأى شيطانًا: قال ابن هبيرة رحمه الله: «لما كان صوت الحمار أنكر الأصوات، كان الشيطان وشيكًا بالتعرض له؛ ليثير من النهاق الذي يزعج المسلمين، فتنكره نفوسهم»[13]الإفصاح عن معاني الصحاح، 6/ 291..

ما يستفاد من الحديث:

  1. قال الحافظ في الفتح: «وَلِلدِّيكِ خَصِيصَةٌ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْوَقْتِ اللَّيْلِيِّ؛ فَإِنَّهُ يُقَسِّطُ أَصْوَاتَهُ فِيهَا تَقْسِيطًا لَا يَكَادُ يَتَفَاوَتُ، وَيُوَالِي صِيَاحَهُ قَبْلَ الْفَجْرِ وَبَعْدَهُ، لَا يَكَادُ يُخْطِئُ، سَوَاءٌ أَطَالَ اللَّيْلُ أَمْ قَصُرَ، وَمِنْ ثَمَّ أَفْتَى بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِاعْتِمَادِ الدِّيكِ الْمُجَرَّبِ فِي الْوَقْتِ»[14]فتح الباري لابن حجر، 6/ 353..
  2. استحباب الدعاء عند سماع صياح الديكة؛ وذلك لأنها ترى ملكًا، فربما يؤمِّن الملك على الدعاء، فيستجيب اللَّه له.
  3. المسلم العاقل لا يتأفَّف ولا ينزعج إذا كان صياح الديكة سببًا لقطع لذة النوم، بل يحمد اللَّه على ذلك، وقد نهى النبي عن سب الديك بقوله: لا تسبوا الديك؛ فإنه يوقظ للصلاة[15]رواه أبو داود، كتاب الأدب، باب في الديك، برقم 5101، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح، برقم 4136.، والحكمة من هذا النهي أن من أعان على طاعة يستحق المدح لا الذم.
  4. قال الداودي رحمه الله: يتعلم من الديك خمس خصال:
    • حسن الصوت.
    • القيام في السحر.
    • الغيرة.
    • السخاء.
    • كثرة الجماع[16]فتح الباري، 6/ 353..
      وللَّهِ در القائل:

      يا أذان الديك في الأصباح ما أجمل جرسك
      ما أجمل الدرس تلقيه لمن يفقه درسك
      لا تُضِع يومك في التيه كما ضيعت أمسك
  5. جاء ذكر الديك في موضع آخر من السنة، من قول النبي : إن اللَّه أذن لي أن أحدث عن ديك قد مرقت رجلاه الأرض، وعنقه مثنية تحت العرش، وهو يقول: سبحانك، ما أعظمك! فيرد عليه: لا يعلم ذلك من حلف بي كاذبًا[17]أخرجه الطبراني في الأوسط، 7/ 220، برقم 7324، وأبو الشيخ في العظمة، 3/ 1003، برقم 524، والحاكم في المستدرك، 4/ 330. قال … Continue reading.
  6. أما حديث: الديك يؤذن بالصلاة. من اتخذ ديكًا أبيض حفظ من ثلاثة: من شر كل شيطان، وساحر، وكاهن، ففي صحته نظر[18]أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، 4/ 300، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع، برقم 3030..
  7. قال القاضي عياض رحمه الله: «إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا اللَّه من فضله، فإنها رأت ملكًا؛ وذلك -والله أعلم- لتأمين الملائكة على دعاء بني آدم واستغفارهم له فرحًا ببركة ذلك، وحسن عون الملك به إذا دعا بحضرته بالتأمين والاستغفار له، وإشهاده له بالتضرع إلى اللَّه والإخلاص»[19]إكمال المعلم بفوائد مسلم، 8/ 224..
  8. قال ابن الملقن رحمه الله: «فيه دلالة أن اللَّه جعل للديك إدراكًا كما جعله للحمير، وأن كل نوع من الملائكة والشياطين موجودان، وهذا معلوم في الشرع قطعًا، والمنكر لشيء منها كافر كما نبه عليه القرطبي، قال: وكأنه إنما أمر بالدعاء عند صراخ الديكة لتؤمن الملائكة على ذلك، ولتستغفر له وتشهد له بالتضرع والإخلاص، فتتوافق الدعوتان، فتقع الإجابة، ومنه يؤخذ استحباب الدعاء عند حضور الصالحين، وأما التعوذ بعد نهيق الحمار فلأن الشيطان إذا حضر يخاف شره، فيتعوذ منه»[20]التوضيح لشرح الجامع الصحيح، 19/ 243..

^1 وقد سمي الدجاج دجاجًا لإسراعه في الإقبال والإدبار، من: دجَّ يدج إذا أسرع، ودجاجة: اسم امرأة، فتح الباري، 6/ 353.
^2 شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 6/ 1892.
^3 مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهاني، 2/ 196.
^4 فيض القدير، 1/ 380.
^5 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، 1/ 234.
^6, ^13 الإفصاح عن معاني الصحاح، 6/ 291.
^7 لسان العرب، 10/ 361، مادة (نهق).
^8 التوضيح لشرح الجامع الصحيح، 19/ 244.
^9 حياة الحيوان الكبرى، 1/ 479.
^10 انظر: مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهاني، 2/ 136.
^11 انظر: مجموع الفتاوى، لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، 18/ 288، وتقدم مستوفى في آخر شرح المفردة الأولى من مفردات حديث المتن رقم 17.
^12 زاد المعاد، لابن القيم، 2/ 420، وتقدم مستوفى في شرح المفردة التاسعة من مفردات حديث المتن رقم 133.
^14 فتح الباري لابن حجر، 6/ 353.
^15 رواه أبو داود، كتاب الأدب، باب في الديك، برقم 5101، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح، برقم 4136.
^16 فتح الباري، 6/ 353.
^17 أخرجه الطبراني في الأوسط، 7/ 220، برقم 7324، وأبو الشيخ في العظمة، 3/ 1003، برقم 524، والحاكم في المستدرك، 4/ 330. قال المنذري في الترغيب والترهيب، 2/ 389: «إسناد صحيح»، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، 4/ 180: «رجاله رجال الصحيح»، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم 1714.
^18 أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، 4/ 300، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع، برقم 3030.
^19 إكمال المعلم بفوائد مسلم، 8/ 224.
^20 التوضيح لشرح الجامع الصحيح، 19/ 243.