القارئ: حمد الدريهم
keyboard_arrow_down
قال : اللهم فأيُّما مؤمنٍ سَبَبْتُه فاجعل ذلك له قُربةً إليك يوم القيامة[1]رواه البخاري: 6361 واللفظ له، ومسلم: 2601، وفي لفظٍ لمسلم: فاجعلها له زكاةً ورحمةً..
| ^1 | رواه البخاري: 6361 واللفظ له، ومسلم: 2601، وفي لفظٍ لمسلم: فاجعلها له زكاةً ورحمةً. |
|---|
جدول المحتويات
شرح مفردات الحديث:
- قوله: اللهُم: «بِمَعْنَى: يَا أَللهَ... الْمِيمُ الْمُشَدَّدَةُ عِوَضٌ مِنْ يَا؛ لأَنهم لَمْ يَجِدُوا يَا مَعَ هَذِهِ الْمِيمِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَوَجَدُوا اسْمَ اللَّهِ مُسْتَعْمَلًا بِيَا»[1]لسان العرب، 13/ 470، مادة (أله)..
وقال الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله: «لا خلاف أن لفظة: اللهمّ معناها: يا اللَّه؛ ولهذا لا تستعمل إلا في الطلب»[2]جلاء الأفهام، ص143، وتقدم شرح المفردة مستوفى في المفردة رقم 6 من الحديث رقم 1 من أحاديث المتن.. - قوله: فأيما مؤمن: قال الزجاج رحمه الله: «أيّ: شرطيةٌ... وفي ما هذه قولان: أشهرُهما: أنها زائدةٌ كزيادتِها في أخواتِها مِنْ أدواتِ الشرط، والثاني: أنها نكرةٌ»[3]معاني القرآن وإعرابه، للزجاج، 4/ 142..
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «الفاء جَواب الشَّرط المَحذُوف لِدَلالَةِ السِّياق عَلَيهِ»[4]فتح الباري، لابن حجر، 11/ 172..
وقال ابن الجوزي رحمه الله: «هذا الاعتذار من فعل شيء غيره أولى منه؛ فإن العفو في الغالب أولى من العقوبة»[5]كشف المشكل من حديث الصحيحين، ص884.. - قوله: سببته: قال ابن الأثير رحمه الله: «السَّبُّ: الشَّتْمُ، يُقَالُ: سَبَّهُ يَسُبُّهُ سَبًّا وسِبَابًا»[6]النهاية في غريب الحديث والأثر، 2/ 330، مادة (سب)..
وقال الفيومي رحمه الله: «سَبَّهُ سَبًّا، فَهُوَ سَبَّابٌ... وَالسُّبَّة: الْعَارُ»[7]المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، 1/ 262..
وقال ابن الملقن رحمه الله: «وهو لا يسب أحدًا ولا يؤذيه ظالمًا له، وإنما يفعل ذلك من الواجب في شريعته، وقد يدع الانتقام لنفسه؛ لما جبله اللَّه عليه من العفو وكرم الخلق»[8]التوضيح لشرح الجامع الصحيح، 29/ 295.. - قوله: فاجعل ذلك له قُربة إليك يوم القيامة: قال الزرقاني رحمه الله: «فلا يمتنع أن يقول لها ذلك لتؤجر، وليكفر لها ما قالته»[9]شرح الزرقاني على الموطأ، 1/ 153..
- قوله: شتمته: قال الفيومي رحمه الله: «شَتَمَهُ شَتْمًا مِنْ بَابَ ضَرَبَ، وَالِاسْمُ الشَّتِيمَةُ»[10]المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، 1/ 304..
- قوله: يَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ: «الغَضَب فِي الْحَدِيثِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنَ النَّاسِ، فَأَمَّا غَضَب اللَّهِ فَهُوَ يليق بجلاله، فغضبه ليس كغضب خلقه، بل غضبٌ يختصُّ بجلاله، فالغضب معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عن الكيف بدعة، ويترتب على غضب اللَّه إنْكار اللَّه عَلَى مَنْ عَصاه، وسَخَطُه عَلَيْهِ، وإعْراضُه عَنْهُ، ومُعاقَبَتُه لَهُ. وَأَمَّا مِنَ الْمَخْلُوقِينَ فَمِنْهُ مَحْمُود ومَذموم، فَالْمَحْمُودُ مَا كَانَ فِي جانِب الدِّين وَالْحَقِّ، والمذمومُ مَا كَانَ فِي خِلافه[11]انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، 3/ 370، مادة (غضب)..
وقال القاضي عياض رحمه الله: «فهو عليه الصلاة والسلام لا يقول ولا يفعل في حال غضبه ورضاه إلا صدقًا وحقًا، لكن غضبه للَّه تعالى قد يحمله على الشدة في أمره، وتعجيل عقوبة مخالفه، وترك ما قد أبيح له من الإغضاء عنه والصفح»[12]إكمال المعلم بفوائد مسلم، 8/ 72.. - قوله: «فأغلظ لهما»: قال الفيروزآبادي رحمه الله: «الغلظ: ضِدُّ الرِّقَّةِ، والفِعْلُ... وأغلظ له في القولِ: خَشَّنَ... وبينهما غِلْظَةٌ ومُغالَظَةٌ: عَداوَةٌ»[13]القاموس المحيط، ص697، مادة (غلظ)..
- قوله: لعنته: قال القاضي عياض رحمه الله: «اللعنة: قطع عن الرحمة، والموت: قطع عن التصرف. قال القاضي عياض: وقيل: لعنته له تقتضي قصده إخراجه عن جماعة من المسلمين، ومنعهم منافعِه، وتكثير عددهم به، كما لو قتله، وقيل: لعنُهُ يقتضى قطْعَ منافِعه الأخروية عنه، وبُعده منها بإجابته لعنته في الدنيا، فهو كمن قُتِلَ في الدنيا، وقُطعت عنه مَنافِعه فيها. وقيل: معناه: استواؤهما في التحريم»[14]إكمال المعلم بفوائد مسلم، 1/ 391..
- قوله: «لمَن أصاب منك خيرًا، ما أصاب هذان منك خيرًا»: قال ابن الأثير رحمه الله: «أَصَابَ الإنسانُ مِنَ الْمَالِ وَغَيْرِهِ، أي: أخَذَ وتَناول، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: يُصِيبُون مَا أَصَابَ الناسُ، أي: ينالُون مَا نالُوا»[15]النهاية في غريب الحديث والأثر، 3/ 57، مادة (أصاب)..
وقال القرطبي رحمه الله: «هذا الكلام من السهل الممتنع، وذلك أن معناه أن هذين الرجلين ما أصابا منك خيرًا، وإن كان غيرهما قد أصابه، لكن تنزيل هذا المعنى على أفراد ذلك الكلام فيه صعوبة، ووجه التنزيل يتبيّن بالإعراب... من: موصولة في موضع رفع بالابتداء، وصلتها: أصاب، وعائدها: المضمر في أصاب، وما بعدها متعلق به، وخبره محذوف تقديره: واللَّه لرجل أصاب منك خيرًا فائز أو ناج، ثم نفى عن هذين الرجلين إصابة ذلك الخير، بقوله: ما أصابه هذان»[16]المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 21/ 119.. - قوله: «دعا عليَّ»: «الدُّعَاءِ لِلَّهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوجه: فضربٌ مِنْهَا: توحيدهُ والثناءُ عَلَيْهِ... وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مسأَلة اللَّهِ العفوَ وَالرَّحْمَةَ وَمَا يُقَرِّب مِنْهُ... وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: مسأَلة الحَظِّ مِنَ الدُّنْيَا، وَيُقَالُ: دَعَوْت اللَّهَ لَهُ بخَيْرٍ، وعَليْه بِشَرٍّ»[17]لسان العرب، 14/ 258، مادة (دعا)..
- قوله: شارطت عليه ربي، اشترطت: قال ابن منظور رحمه الله: «الشَّرْطُ: إِلزامُ الشَّيْءِ والتِزامُه فِي البيعِ وَنَحْوِهِ، وَالْجَمْعُ: شُروط... وَقَدْ شرَط لَهُ وَعَلَيْهِ كَذَا، يَشْرِطُ ويَشْرُطُ شَرْطًا، واشْتَرَط عَلَيْهِ... والاشْتِراطُ: الْعَلَامَةُ الَّتِي يَجْعَلُهَا النَّاسُ بَيْنَهُمْ... وأَشْرَط فُلَانٌ نفسَه لِكَذَا وَكَذَا: أَعْلَمها لَهُ وأَعَدَّها؛ وَمِنْهُ سُمِّيَ الشُّرَطُ؛ لأَنهم جَعَلُوا لأَنفسهم عَلَامَةً يُعْرَفُون بِهَا»[18]لسان العرب، 7/ 329، مادة (شرط)..
- قوله: فاجعله له زكاة وأجرًا: قال القاضي عياض رحمه الله: «فاجعله له زكاة وأجرًا، وفي رواية: وكفارة، ورحمة، وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة، على اختلاف ألفاظ الحديث، وزيادة بعضها على بعض»[19]إكمال المعلم شرح صحيح مسلم، للقاضي عياض، 8/ 34..
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «يَحتَمِل أَن يَكُون ما ذَكَرَهُ مِن سَبّ ودُعاء غَير مَقصُود ولا مَنَوِيّ، ولَكِن جَرَى عَلَى عادَة العَرَب فِي دَعم كَلامها وصِلَة خِطابها عِند الحَرَج والتَّأكِيد لِلعَتبِ لا عَلَى نِيَّة وُقُوع ذَلِكَ، كَقَولِهِم: عَقرَى حَلقَى، وتَرِبَت يَمِينك، فَأَشفَقَ مِن مُوافَقَة أَمثالها القَدَر، فَعاهَدَ رَبّه ورَغِبَ إِلَيهِ أَن يَجعَل ذَلِكَ القَول رَحمَة وقُربَة. انتَهَى»[20]فتح الباري، 11/ 172..
وقال ابن منظور رحمه الله: «وتَقَرَّبَ إِلى اللَّهِ بشيءٍ، أي: طَلَبَ بِهِ القُرْبة عِنْدَهُ تَعَالَى»[21]لسان العرب، 1/ 664، مادة (قرب).. - قوله: وزكاة: قال الراغب الأصفهاني رحمه الله: «وبِزَكَاءِ النّفس وطهارتها يصير الإنسان بحيث يستحقّ في الدّنيا الأوصاف المحمودة، وفي الآخرة الأجر والمثوبة، وهو أن يتحرّى الإنسان ما فيه تطهيره، وذلك ينسب تارة إلى العبد لكونه مكتسبًا لذلك»[22]المفردات في غريب القرآن، 1/ 381، مادة (زكا)..
وقال المناوي رحمه الله: «وزكاة، أي: طهارة من الذنوب»[23]فيض القدير شرح الجامع الصغير، 2/ 153.. - قوله: ورحمة: قال الراغب الأصفهاني رحمه الله: «الرَّحْمَةَ من اللَّه إنعام وإفضال»[24]المفردات في غريب القرآن/ 1/ 347، مادة (رحم)..
- قوله: أجرًا: قال الفيروزآبادي رحمه الله: «الأجر: الجزاء على العمل، كالإجارة، مثلثة، جمعه: أجور، وآجار، وأجره يأجره ويأجره: جزاه، كآجره... والأجرة: الكراء، وائتجر: تصدق وطلب الأجر»[25]القاموس المحيط، ص436، مادة (أجر)، وتقدم في شرح المفردة رقم 4 من شرح مفردات حديث المتن رقم 161..
- قوله: وكفارة: قال ابن الأثير رحمه الله: «الكفارة: الخصلة التي تمحو الذنوب، وهي المرة الواحدة من التكفير: التغطية للشيء»[26]جامع الأصول، 4/ 278، وتقدم في شرح المفردة رقم 8 من شرح مفردات حديث المتن رقم 196..
- قوله: وَقُرْبَةً يُقَرِّبُهُ بِهَا مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: قال المناوي رحمه الله: «وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة، ولا تعاقبه بها في العقبى، والمراد: أسألك أن تجعله خلاف ما يراد منه؛ بأن تجعل ما بدا مني تطهيرًا ورفع درجة للمقول له ذلك»[27]فيض القدير شرح الجامع الصغير، 2/ 153..
- قَوله: لَيسَ لَها بِأَهلٍ: قال الشامي الصالحي رحمه الله: «قال النووي رحمه الله: هذه الأحاديث منبهة على ما كان عليه عليه الصلاة والسلام من الشفقة على أمته، ومن الاعتناء بمصالحهم، والاحتياط لهم، والرغبة في كل ما ينفعهم، وهذه الرواية الأخيرة تبين المراد من الروايات المطلقة، وأنه يكون دعاؤه عليهم وسبه ولعنه ونحو ذلك رحمة وكفارة وزكاة ونحو ذلك، إذا لم يكن أهلًا للدعاء عليه والسب واللعن ونحوه وكان مسلمًا، وإلا فقد دعا على الكفار والمنافقين، ولم يكن رحمة لهم، فإن قيل: فكيف يدعو على من ليس بأهل للدعاء عليه أو يسبه أو يلعنه ونحو ذلك؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أن المراد ليس بأهل لذلك عند اللَّه تعالى في باطن الأمر، ولكنه في الظاهر مستوجب له، فيظهر له استحقاقه لذلك بأمارة شرعية، ويكون في باطن الأمر ليس أهلًا لذلك، وهو مأمور بالحكم بالظاهر، واللَّه يتولى السرائر»[28]سبل الهدى والرشاد، 10/ 434..
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «قَوله: لَيسَ لَها بِأَهلٍ عِندك فِي باطِن أَمره، لا عَلَى ما يَظهَر مِمّا يَقتَضِيه حاله وجِنايَته حِين دُعائِي عَلَيهِ، فَكَأَنَّهُ يَقُول: مَن كانَ باطِن أَمره عِندك أَنَّهُ مِمَّن تَرضَى عَنهُ، فاجعَل دَعوتِي عَلَيهِ الَّتِي اقتَضاها ما ظَهَرَ لِي مِن مُقتَضَى حاله حِينَئِذٍ طَهُورًا وزَكاة. قالَ: وهَذا مَعنًى صَحِيح لا إِحالَة فِيهِ؛ لأَنَّهُ كانَ مُتَعَبِّدًا بِالظَّواهِرِ، وحِساب النّاس فِي البَواطِن عَلَى اللَّه. انتَهَى. وهَذا مَبنِيّ عَلَى قَول مَن قالَ: إِنَّهُ كانَ يَجتَهِد فِي الأَحكام، ويحكُم بِما أَدَّى إِلَيهِ اجتِهاده، وأَمّا مَن قالَ: كانَ لا يَحكُم إِلَّا بِالوحيِ، فَلا يَأتِي مِنهُ هَذا الجَواب»[29]فتح الباري، لابن حجر، 11/ 172.. - قوله: اتَّخَذْتُ عِنْدَكَ عَهْدًا: قال الزبيدي رحمه الله: «اتخذت عند اللَّه، والاتِّخَاذُ: افتعَالٌ من الأَخْذِ... اتَّخَذ مِن تَخِذَ يَتْخَذُ، اجْتمع فِيهِ التاءُ الأَصليُّ وتاءُ الافتعال فأُدْغِمَا، وهذا قولٌ حَسَنٌ، لكنِ الأَكْثَرُون على أَنّ أَصله من الأَخْذ، وبذلك يكون معناها بمعنى: اشترطت على ربي السابقة»[30]تاج العروس، 9/ 369، مادة (أخذ)..
- قوله: تخلفنيه: قال ابن منظور رحمه الله: «والخُلْفُ -بِالضَّمِّ-: الِاسْمُ مِنَ الإِخلاف، وَهُوَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَالْكَذِبِ فِي الْمَاضِي، وَيُقَالُ: أَخْلَفَه مَا وَعَده، وَهُوَ أَن يَقُولَ شَيْئًا وَلَا يفْعَله عَلَى الِاسْتِقْبَالِ... الإِخْلافُ أَلَّا يَفي بِالْعَهْدِ، وأَن يَعِدَ الرجلُ الرجلَ العِدةَ فَلَا يُنجزها... وَيُقَالُ لِلَّذِي لَا يَكَادُ يَفِي إِذَا وَعَدَ: إِنَّهُ لمِخْلافٌ. وَفِي الْحَدِيثِ: إِذَا وعَدَ أَخْلَفَ، أي: لَمْ يفِ بِعَهْدِهِ وَلَمْ يَصْدُقْ»[31]لسان العرب، 9/ 94، مادة (خلف)..
- قوله: آذيته: قال ابن منظور رحمه الله: «الأَذَى: كُلُّ مَا تأَذَّيْتَ بِهِ، آذَاه يُؤذِيه أَذًى وأَذَاةً وأَذِيَّةً، وتَأَذَّيْت بِهِ»[32]لسان العرب، 14/ 27، مادة (أذى)..
- قوله: جلدته: قال ابن الأثير رحمه الله: «يُقَالُ: جَلَدْتُهُ بالسَّيف والسَّوط ونَحْوه: إِذَا ضَرَبْتَه بِهِ»[33]النهاية في غريب الحديث والأثر، 1/ 285، مادة (جلد)..
- قوله: هيه: قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «هِيهِ -بِكَسْرِ الْهَاءَيْنِ بَيْنَهُمَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ-: قَالَ النَّوَوِيُّ بَعْدَ أَنْ ضَبَطَهَا هَكَذَا: هِيْ، كَلِمَةٌ تُقَالُ فِي الِاسْتِزَادَةِ»[34]فتح الباري لابن حجر، 13/ 258..
- قوله: لَقَدْ كَبِرْتِ، لَا كَبِرَ سِنُّكِ: قال القاضي عياض رحمه الله: «وقولها: «لا يكبر سني»، أو قالت: «قرني»: السن والقرن بفتح القاف سواء، يقال: هو سنه وقرنه، أي: مماثله في المولد، فكأنهما في قوله: لا كبر سنك، ولا كبر قرنك، تقول: لا طال عمرك؛ لأنه إذا طال عمره طال عمر قرنه وسنه»[35]إكمال المعلم بفوائد مسلم، 8/ 74..
وقال صاحب المطالع: «قِرن بكسر القاف، أي: الذي يقارنك في بطش أو شدة أو قتال أو علم، فأما في السنن فقَرن -بفتح القاف- وقرين أيضًا، ومنه حديث يتيمة أم سليم: «دَعَا عَلَيَّ أَلَّا يَكْبَرَ قَرْنِي أَوْ سِنِّي»، والقرين: الشيطان المقرون بالإنسان لا يفارقه... فَلْيُطْلِعْ لَنَا قَرْنَهُ، أي: فليظهر لنا رأسه ولا يستخفي، والقرن: جانب الرأس، كنى به عن الجملة»[36]مطالع الأنوار على صحاح الآثار، لابن قرقول، 5/ 342.. - قوله: «كَانَتْ عِنْدَ أُمِّ سُلَيْمٍ يَتِيمَةٌ: «وَهِيَ أُمُّ أَنَسٍ : الصحابية المشهورة، والدة أنس بن مالك»[37]تقدمت ترجمتها مع ترجمة ابنها أنس في الحديث رقم 23 من أحاديث الشرح.، وقال الطيبي رحمه الله: «واليتيمة: اسم للصغيرة التي لا أب لها»[38]شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 7/ 2283..
- قوله: «الجارية»: قال ابن منظور رحمه الله: «الجارِيَةُ: الفَتِيَّةُ مِنَ النِّسَاءِ بيِّنةُ الجَرَايَة... وَقَوْلُهُمْ: كَانَ ذَلِكَ فِي أَيام جَرَائها، بِالْفَتْحِ، أي: صِباها»[39]لسان العرب، 14/ 143، مادة (جرى)..
- قوله: «تلوث خمارها»: قال القاضي عياض رحمه الله: «أي: تديره على رأسها»[40]إكمال المعلم بفوائد مسلم، 8/ 75..
وقال ابن الأثير رحمه الله: «تلوث خمارها: لاث العمامة على رأسه يلوثها: إذا عصبها، ولاثت المرأة الخمار: إذا شدته على وجهها»[41]جامع الأصول في أحاديث الرسول ، 10/ 774..
ما يستفاد من الحديث:
- قال النووي رحمه الله: هذه الأحاديث مُبيِّنة لما كان عليه النبي من الشفقة على أمته، والاعتناء بمصالحهم، والاحتياط لهم، والرغبة في كل ما ينفعهم؛ فإن قيل: كيف يدعو رسول اللَّه على من ليس هو بأهل للدعاء عليه أو يسبه أو يلعنه ونحو ذلك؟ فالجواب ما أجاب به العلماء، ومختصره وجهان:
- أحدهما: أنه في الظاهر مستوجب لهذا بأمارة شرعية، ويكون في باطن الأمر ليس أهلًا لذلك، وهو مأمور بالحكم بالظاهر، واللَّه يتولى السرائر.
- الثاني: أن ما وقع ليس بمقصود، بل هو مما جرت عليه عادة العرب في وصل كلامها بلا نية، وهذا كان يقع منه في النادر والشاذ من الأزمان، ولم يكن فاحشًا ولا متفحشًا ولا لعانًا ولا منتقمًا لنفسه [42]انظر: صحيح مسلم بشرح النووي، 16/ 367- 368..
- وعلى ما قاله الإمام النووي رحمه الله تحمل الأحاديث الآتية:
- قوله ليتيمة كانت لأم سليم رضي الله عنها: لقد كبرت، لا كبر سنك[43]مسلم، برقم 2603، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن.، فرجعت اليتيمة تبكي، فقصت على أم سليم الخبر، فذهبت إلى النبي ، فقصت عليه ما قالت اليتيمة، فضحك ، ثم قال بنحو ما قال في الحديث السابق، وإنما خافت اليتيمة ألا يطول عمرها.
- قوله لعائشة رضي الله عنها: قطع اللَّه يدك، أو: يداك[44]مسند أحمد، 19/ 420، برقم 12431، وصححه محققو المسند، وصححه العدوي في الصحيح المسند من فضائل الصحابة، ص527.، وذلك لما دخل عليها بأسير، ثم خرج، ثم جاء يسأل عنه، فأخبرته رضي الله عنها أنه خرج لما لهت عنه، فقال لها ذلك، ثم أمر الناس أن يبحثوا عن الأسير، فوجدوه فدخل عليها وهي تقلب يديها، فقال لها: ما لك؟ أجننت؟، فقالت: «دعوت علي، فأنا أقلب يدي أنظر أيهما يقطعان»، فقال بنحو ما قال.
- قوله عن معاوية : لا أشبع اللَّه بطنه[45]مسلم، كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه، وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته، برقم 2694.، وذلك لما قال لابن عباس رضي الله عنهما -وكان صغيرًا يلعب مع الصبيان-: ادع لي معاوية، فذهب إليه فإذا هو يأكل، فأخبر النبي بذلك، ثم قال له مرة ثانية: ادع لي معاوية، فذهب فإذا هو يأكل، فقال ذلك.
قال النووي رحمه الله: وقد فهم الإمام مسلم رحمه الله من هذا الحديث أن معاوية لم يكن مستحقًّا للدعاء عليه، فأدخله في هذا الباب[46]شرح النووي على صحيح مسلم، 16/ 371..
ومعنى ذلك: أن معاوية لما صار أول ملوك الإسلام، وأكثر الناس من الدخول عليه، كان كلما جاءه وفد أكرمه بالطعام وأكل معهم، وهذه عادة طيبة، فكان هذا الدعاء دعاء له لا عليه.
وقد قال الألباني رحمه الله: وقد يطعن بعض الناس في معاوية بهذا الحديث، ولا حجة لهم؛ لأنه جاء في بعض طرقه أنه كان من كتبة الوحي . قال الحافظ ابن عساكر: وهذا الحديث أصح ما ورد في فضله [47]انظر: السلسلة الصحيحة، برقم 82.. - قال ابن الملقن رحمه الله: «هذا الحديث يصدقه ما ذكره اللَّه في كتابه من صفة رسول الله في قوله: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ إلى قوله: رَحِيمٌ [التوبة:128]، وهو لا يسب أحدًا ولا يؤذيه ظالمًا له، وإنما يفعل ذلك من الواجب في شريعته، وقد يدع الانتقام لنفسه؛ لما جبله اللَّه عليه من العفو وكرم الخلق. ومعنى هذا الحديث -واللَّه أعلم-: التأنيس للمسبوب؛ لئلا يستولي عليه الشيطان ويقنطه ويوقع بنفسه أنْ سيلحقه من ضرر سبه ما يحبط به عمله؛ إذ سبه دعاء على المسبوب، ودعاؤه مجاب، فسأل اللَّه تعالى أن يجعل سبه للمؤمنين قربة عنده يوم القيامة وصلاة ورحمة، ولا يجعله نقمة ولا عذابًا، وهذا مما خُص به؛ فإنه كان يسب على جهة التأديب، غير أنه لا يتجاوز، وربما كان سبه دعاء يستجاب له، فجعل عوضًا من ذلك دعاؤه لمن دعا عليه ليكون الفضل إليه»[48]التوضيح لشرح الجامع الصحيح، 29/ 295..
- وذكر الحافظ الزين العراقي رحمه الله «أنه إنما يغضب لما يرى من المغضوب عليه من مخالفة الشرع، فغضبه للَّه لا لنفسه، فإنه ما كان يغضب لنفسه ولا ينتقم لها، وقد قررنا في الأصول أن الظاهر من غضبه تحريم الفعل المغضوب من أجله، وعلى هذا فيجوز له أن يؤدب المخالف باللعن والسبّ والجلد والدعاء عليه بالمكروه؛ وذلك بحسب مخالفة المخالف، غير أن ذلك المخالف قد يكون ما صدر منه فلتة أوجبتها غفلة، أو غلبة نفس أو شيطان، وله فيما بينه وبين اللَّه عمل خالص وحال صادق، يدفع اللَّه عنه بسبب ذلك أثر ما صدر عن النبي له من ذلك القول أو الفعل.
قال القاضي عياض رحمه الله: وقد يكون قوله هذا ودعاء ربه إشفاقًا على المدعو عليه وتأنيسًا له؛ لئلا يلحقه من الخوف والحذر من ذلك ومن تقبل دعائه ما يحمله على اليأس والقنوط، وقد تكون سؤالاته لربه فيمن جلده وسبه بوجه حق وعقاب على جرم أن يكون ذلك عقوبة في الدنيا، وكفارة لما فعله، وتحصنًا له عن عقابه عليه في الآخرة، كما في الحديث الآخر: ومن أصاب شيئًا فعوقب به كان له كفارة»[49]طرح التثريب في شرح التقريب، 8/ 12، والحديث أخرجه البخاري، برقم 18، ومسلم، برقم 1709.. - وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «قَوله: وأَغضَب كَما يَغضَب البَشَر، فَإِنَّ هَذا يُشِير إِلَى أَنَّ تِلكَ الدَّعوة وقَعَت بِحُكمِ سَورَة الغَضَب، لا أَنَّها عَلَى مُقتَضَى الشَّرع، فَيَعُود السُّؤال، فالجَواب: أَنَّهُ يَحتَمِل أَنَّهُ أَرادَ أَنَّ دَعَوته عَلَيهِ أَو سَبّه أَو جَلده كانَ مِمّا خُيِّرَ بَين فِعله لَهُ عُقُوبَة لِلجانِي، أَو تَركه والزَّجر لَهُ بِما سِوى ذَلِكَ، فَيَكُون الغَضَب لِلَّهِ تَعالَى بَعَثَهُ عَلَى لَعنه أَو جَلده، ولا يَكُون ذَلِكَ خارِجًا عَن شَرعه. قالَ: ويَحتَمِل أَن يَكُون ذَلِكَ خَرَجَ مَخرَج الإِشفاق وتَعلِيم أُمَّته الخَوف مِن تَعَدِّي حُدُود اللَّه، فَكَأَنَّهُ أَظهَرَ الإِشفاق مِن أَن يَكُون الغَضَب يَحمِلهُ عَلَى زِيادَة فِي عُقُوبَة الجانِي لَولا الغَضَب ما وقَعَت، أَو إِشفاقًا مِن أَن يَكُون الغَضَب يَحمِلهُ عَلَى زِيادَة يَسِيرَة فِي عُقُوبَة الجانِي لَولا الغَضَب ما زادَت، ويَكُون مِنَ الصَّغائِر عَلَى قَول مَن يُجَوِّزها، أَو يَكُون الزَّجر يَحصُل بِدُونِها، ويَحتَمِل أَن يَكُون اللَّعن والسَّبّ يَقَع مِنهُ مِن غَير قَصد إِلَيهِ، فَلا يَكُون فِي ذَلِكَ كاللَّعنَةِ الواقِعَة رَغبَة إِلَى اللَّه وطَلَبًا لِلاستِجابَةِ»[50]فتح الباري، لابن حجر، 11/ 172..
| ^1 | لسان العرب، 13/ 470، مادة (أله). |
|---|---|
| ^2 | جلاء الأفهام، ص143، وتقدم شرح المفردة مستوفى في المفردة رقم 6 من الحديث رقم 1 من أحاديث المتن. |
| ^3 | معاني القرآن وإعرابه، للزجاج، 4/ 142. |
| ^4, ^29, ^50 | فتح الباري، لابن حجر، 11/ 172. |
| ^5 | كشف المشكل من حديث الصحيحين، ص884. |
| ^6 | النهاية في غريب الحديث والأثر، 2/ 330، مادة (سب). |
| ^7 | المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، 1/ 262. |
| ^8, ^48 | التوضيح لشرح الجامع الصحيح، 29/ 295. |
| ^9 | شرح الزرقاني على الموطأ، 1/ 153. |
| ^10 | المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، 1/ 304. |
| ^11 | انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، 3/ 370، مادة (غضب). |
| ^12 | إكمال المعلم بفوائد مسلم، 8/ 72. |
| ^13 | القاموس المحيط، ص697، مادة (غلظ). |
| ^14 | إكمال المعلم بفوائد مسلم، 1/ 391. |
| ^15 | النهاية في غريب الحديث والأثر، 3/ 57، مادة (أصاب). |
| ^16 | المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 21/ 119. |
| ^17 | لسان العرب، 14/ 258، مادة (دعا). |
| ^18 | لسان العرب، 7/ 329، مادة (شرط). |
| ^19 | إكمال المعلم شرح صحيح مسلم، للقاضي عياض، 8/ 34. |
| ^20 | فتح الباري، 11/ 172. |
| ^21 | لسان العرب، 1/ 664، مادة (قرب). |
| ^22 | المفردات في غريب القرآن، 1/ 381، مادة (زكا). |
| ^23, ^27 | فيض القدير شرح الجامع الصغير، 2/ 153. |
| ^24 | المفردات في غريب القرآن/ 1/ 347، مادة (رحم). |
| ^25 | القاموس المحيط، ص436، مادة (أجر)، وتقدم في شرح المفردة رقم 4 من شرح مفردات حديث المتن رقم 161. |
| ^26 | جامع الأصول، 4/ 278، وتقدم في شرح المفردة رقم 8 من شرح مفردات حديث المتن رقم 196. |
| ^28 | سبل الهدى والرشاد، 10/ 434. |
| ^30 | تاج العروس، 9/ 369، مادة (أخذ). |
| ^31 | لسان العرب، 9/ 94، مادة (خلف). |
| ^32 | لسان العرب، 14/ 27، مادة (أذى). |
| ^33 | النهاية في غريب الحديث والأثر، 1/ 285، مادة (جلد). |
| ^34 | فتح الباري لابن حجر، 13/ 258. |
| ^35 | إكمال المعلم بفوائد مسلم، 8/ 74. |
| ^36 | مطالع الأنوار على صحاح الآثار، لابن قرقول، 5/ 342. |
| ^37 | تقدمت ترجمتها مع ترجمة ابنها أنس في الحديث رقم 23 من أحاديث الشرح. |
| ^38 | شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 7/ 2283. |
| ^39 | لسان العرب، 14/ 143، مادة (جرى). |
| ^40 | إكمال المعلم بفوائد مسلم، 8/ 75. |
| ^41 | جامع الأصول في أحاديث الرسول ، 10/ 774. |
| ^42 | انظر: صحيح مسلم بشرح النووي، 16/ 367- 368. |
| ^43 | مسلم، برقم 2603، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن. |
| ^44 | مسند أحمد، 19/ 420، برقم 12431، وصححه محققو المسند، وصححه العدوي في الصحيح المسند من فضائل الصحابة، ص527. |
| ^45 | مسلم، كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه، وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته، برقم 2694. |
| ^46 | شرح النووي على صحيح مسلم، 16/ 371. |
| ^47 | انظر: السلسلة الصحيحة، برقم 82. |
| ^49 | طرح التثريب في شرح التقريب، 8/ 12، والحديث أخرجه البخاري، برقم 18، ومسلم، برقم 1709. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط