تخطى إلى المحتوى

256- كلمتان خفيفتان على اللسان

toc كتاب حصن المسلم من أذكار الكتاب والسنة 262

قال : كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم[1]رواه البخاري: 6682، ومسلم: 2694..

^1 رواه البخاري: 6682، ومسلم: 2694.

شرح مفردات الحديث:

  1. قوله: كلمتان: خبر وما بعدها صفة، والمبتدأ سبحان اللَّه وبحمده... إلى آخر الكلام، وجاء تقديم الخبر تشويقًا.
    وقال ابن هبيرة رحمه الله: «كلمتان: وهي كلمات، فالمعنى: أنهما جملتان، والعرب تسمي القصيدة كلمة، فتقول: قلت في كلمتي كذا، كما يعنون القصيدة»[1]الإفصاح عن معاني الصحاح، 7/ 156..
  2. قوله: خفيفتان على اللسان: أي: يسهل قولهما بسهولة ويسر.
    قال الطيبي رحمه الله: «شبه سهولة جريان الكلمتين على اللسان بما يخف على الحامل من بعض الأمتعة فلا يتعبه كالشيء الثقيل، فذكر المشبه به وأراد المشبه، وأما الثقل فعلى الحقيقة عند علماء أهل السنة؛ إذ الأعمال تتجسم حينئذ، والخفة والسهولة من الأمور النسبية»[2]شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 6/ 1820..
    وقال ابن هبيرة رحمه الله: «ويجوز أن يكون معنى قوله: خفيفتان على اللسان: أن كل كلمتين من هاتين الجملتين خفيفة على اللسان»[3]الإفصاح عن معاني الصحاح، 7/ 156..
  3. قوله: ثقيلتان في الميزان: أي: لعظم أجرهما يوم القيامة.
    قال ابن هبيرة رحمه الله: «في هذا الحديث أن الكلم في الميزان لا يكون عن كثرة حروفها، ولكن عن عظم معناها؛ فإن سبحان اللَّه وبحمده، سبحان اللَّه العظيم إنما ثقلتا في الميزان من حيث إن معناهما أجل عظيم»[4]الإفصاح عن معاني الصحاح، 7/ 156..
    وقال البيهقي رحمه الله: «فَالْإِيمَانُ بِالْمِيزَانِ وَاجِبٌ بِمَا ذَكَرْنَا، ثُمَّ كَيْفِيَّة الْوَزْنِ؛ فَقَدْ قِيلَ: تُوضَعُ صُحُفُ الْحَسَنَاتِ فِي إِحْدَى كِفَّتَيِ الْمِيزَانِ، وَصُحُفُ السَّيِّئَاتِ فِي الْكِفَّةِ الْأُخْرَى، ثُمَّ تُوزَنُ. وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُحْدِثَ اللَّهُ تَعَالَى أَجْسَامًا مُقَدَّرَةً بِعَدَدِ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، بِحَيْثُ يَتَمَيَّزُ إِحْدَاهُمَا مِنَ الْأُخْرَى، ثُمَّ تُوزَنُ كَمَا تُوزَنُ الْأَجْسَامُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمَا وَرَدَ بِهِ خَبَرُ الصَّادِقُ نُؤْمِنُ بِهِ وَنَحْمِلُهُ عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ»[5]الاعتقاد، للبيهقي، ص211..
  4. قوله: حبيبتان إلى الرحمن: لأنهما يتضمنان التنزيه والتحميد والتعظيم له ، وإنما خص الرحمن من الأسماء للتنبيه على سعة رحمته تعالى.
    قال ابن هبيرة رحمه الله: «قوله: حبيبتان إلى الرحمن؛ فلأجل أنهما جمعتا بين التنزيه والتعظيم، فالتنزيه نافٍ لكل ما لا يجوز، والتعظيم لكل ما لا يجب»[6]الإفصاح عن معاني الصحاح، 7/ 157..
    وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «وَقَوله حبيبتان فِيهِ حث على ذكرهمَا؛ لمحبة الرَّحْمَن إيَّاهُمَا»[7]فتح الباري لابن حجر، 1/ 473..
  5. قوله: سبحان اللَّه: أي: له الكمال المطلق، وهو منزه عن كل عيب ونقص. قال ابن الأثير رحمه الله: «التسبيح: التنزيه والتقديس والتبرئة من النقائص، ثم استعمل في مواضع تقرب منه اتساعًا... فمعنى سبحان اللَّه: تنزيه اللَّه»[8]النهاية في غريب الحديث والأثر، 2/ 330، مادة (سبح)، وتقدم في شرح مفردات حديث المتن رقم 93، شرح المفردة رقم 9..
  6. قوله: وبحمده: أي: بتوفيقك وإعانتك يا ربي سبحتك. قال الإمام ابن القيم رحمه الله: نَزَّه اللَّه «عما يصفه به الواصفون، وسَلَّمَ على المرسلين لسلامة ما وصفوه به من كل نقص وعيب، وحمد نفسه»[9]جلاء الأفهام لابن القيم، ص 170، وتقدم في شرح مفردات حديث المتن رقم 91، شرح المفردة رقم 2..
  7. قوله: العظيم: أي: عظيم في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله. قال البيهقي رحمه الله: «العظيم هو ذو العظمة والجلال، ومعناه ينصرف إلى عظم الشأن وجلالة القدر، دون العظيم الذي هو من نعوت الأجسام»[10]الأسماء والصفات للبيهقي، ص60..
    وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: «العظيم؛ فهذا الاسم، والعظمة هي الوصف، والعظمة وصف للعظيم نفسه، لا تتعدى إلى غيره»[11]أسماء اللَّه وصفاته، وموقف أهل السنه منها، ص14..

ما يستفاد من الحديث:

  1. جواز إطلاق كلمة أو كلمتين على الكلام، وهذا مثل كلمة الإخلاص، وكلمة الشهادة[12]انظر: فتح الباري، 13/ 638..
  2. الإشارة إلى أن سائر التكاليف شاقة على النفس، أما هذه الكلمات فهي سهلة مع كونها تثقل الميزان، وهذا دليل على أن العبد قد يبلغ بالعمل اليسير الذي فيه إخلاص للَّه ومتابعة لرسوله ما لا يبلغه غيره وقد أتى بأكثر منه، ولكنه لم يحقق شروط القبول.
  3. إثبات أن الأعمال توزن يوم القيامة بميزان حقيقي[13]انظر الكلام على الميزان في الحديث رقم 160 من أحاديث المتن، المفردة رقم 6.، وقد ختم البخاري صحيحه بهذا الحديث تحت باب قال فيه: «باب: قول اللَّه تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء:47]، وأن أعمال بني آدم وقولهم يوزن»[14]انظر الحديث رقم 7563 في صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب قول اللَّه تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ … Continue reading.
  4. جواز السجع في الدعاء، وأن النهي عنه محمول على ما كان فيه نوع تكلف، أو تضمن أمورًا باطلة، أما ما جاء من غير قصد فلا شيء فيه.
  5. هذه الكلمات الطيبات من أسباب محبة اللَّه لعبده؛ لأن اللَّه إذا أحب العمل وحث عليه أحب فاعله وأثابه، وهي امتثال لقول اللَّه : فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ [الحجر:98].
  6. إثبات صفة المحبة للَّه تعالى على الوجه اللائق به سبحانه، لا يشبه في ذلك أحدًا من خلقه، والأدلة على ذلك كثيرة؛ فمن ذلك قوله : وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة:195]، وقوله: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31]، فهو المستحق أن يحب لذاته، وكل محبة يجب أن تكون فيه، وكذا كل أعمال العبد يجب أن تكون فيما يحبه اللَّه تعالى.
  7. قال المناوي رحمه الله: «وفيه حث على المواظبة عليها، وتحريض على ملازمتها، وتعريض بأن سائر التكاليف صعبة شاقة على النفس ثقيلة، وهذه خفيفة سهلة عليها مع أنها تثقل في الميزان ثقل غيرها من التكاليف، فلا يتركوه؛ إذ روي في الآثار أنه سئل عيسى : ما بال الحسنة تثقل، والسيئة تخف؟ فقال: لأن الحسنة حضرت مرارتها وغابت حلاوتها، فلذلك ثقلت عليكم، فلا يحملنكم ثقلها على تركها؛ فإن بذلك ثقلت الموازين يوم القيامة. والسيئات حضرت حلاوتها وغابت مرارتها، فخفت عليكم، فلا يحملنكم على فعلها خفتها؛ فإن بذلك خفت الموازين يوم القيامة»[15]فيض القدير، 5/ 40..

^1, ^3, ^4 الإفصاح عن معاني الصحاح، 7/ 156.
^2 شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 6/ 1820.
^5 الاعتقاد، للبيهقي، ص211.
^6 الإفصاح عن معاني الصحاح، 7/ 157.
^7 فتح الباري لابن حجر، 1/ 473.
^8 النهاية في غريب الحديث والأثر، 2/ 330، مادة (سبح)، وتقدم في شرح مفردات حديث المتن رقم 93، شرح المفردة رقم 9.
^9 جلاء الأفهام لابن القيم، ص 170، وتقدم في شرح مفردات حديث المتن رقم 91، شرح المفردة رقم 2.
^10 الأسماء والصفات للبيهقي، ص60.
^11 أسماء اللَّه وصفاته، وموقف أهل السنه منها، ص14.
^12 انظر: فتح الباري، 13/ 638.
^13 انظر الكلام على الميزان في الحديث رقم 160 من أحاديث المتن، المفردة رقم 6.
^14 انظر الحديث رقم 7563 في صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب قول اللَّه تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ.
^15 فيض القدير، 5/ 40.